‏إظهار الرسائل ذات التسميات دينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دينية. إظهار كافة الرسائل

العلاقة ما بين السحر والدين

 


أيهما خرج للوجود الإنساني أولاً، السحر أم الدين ؟! .. وهل خرج السحر من رحم الدين أم إن الدين إبن السحر؟!
في الحقيقة لا توجد هنا إجابات يقينية جازمة، إنما فرضيات، فمثلاً "هيجل" يرى أن هنالك عصراً قديماً أو عصر ما قبل التاريخ، وأن طقوس السحر والشعوذة قد سادت ذلك العصر، وأن الساحر في تلك الأزمان البعيدة كان هو سيد القوم وهو صاحب الهيبة والمكانة الاجتماعية، وهذه الفكرة صاغها "فريزر" في نظريته التي افترض من خلالها أن الإنسان البدائي حاول أن يتحكم بالطبيعة من حوله فأخترع الطقوس السحرية والشعوذة كأدوات تُمكِنه من التحكم في الطبيعة، لكن عندا اكتشف بأن هذه الأدوات السحرية لا تُجدي نفعاً إتجه شيئاً فشيئاً للدين.

في رأيي أن مثل هذه الفرضيات لا تصح، فالدين والسحر كانا شيئاً واحداً منذ الإنسان البدائي "الإنسان الصياد" حتى زمن الحضارة الفرعونية، لا يُمكِن خلال كل هذا التاريخ أن نفصل بين السحر والدين، فالطقوس الشعائرية التعبدية وقتها كانت تعتمد على ترديد الطلاسم السحرية والدوران حول النار وتقديم القرابين البشرية، هذا هو الدين المعتمد الهادف لتسخير قوى ما ورائية، بمعنى أن السحر عند الإنسان البدائي "الصياد" حتى السحر عند الفراعنة لم يكن شيئاً مخيفاً تتم ممارسته في الأماكن المظلمة كما يحدث اليوم، والدين أيضاً لم يكن لعبادة الله أو لجلب الراح والطمأنينة إنما كان الهدف منه تجنب غضب الشياطين والوحوش والأرواح الشريرة، ومثل هذا الدين لا يحتاج فيه الإنسان للدعاء والصلاة إنما للسحر والشعوذة.

***

السحر والدين مرا بثلاث مراحل أساسية ..

المرحلة الأولى: مرحلة الإنسان الصياد، الذي كان يعتمد على الصيد في حياته، وكان يسكن الكهوف أو يعيش في السهول المفتوحة، وقتها كانت الحياة قاسية موحشة صارمة، وحياة بهذه القسوة تتطلب ديناً يعتمد على السحر والشعوذة وذبح البشر كقرابين والدوران حول النار لتجنب خطر الوحوش أو غضب الشياطين.

المرحلة الثانية: مرحلة الإنسان الزراعي، أو مرحلة الزراعة، التي ظهرت فيما بعد وبدأ خلالها الإنسان يستقر ويستأنس الحيوان ويروضه، حينها لم تختفي الحاجة للسحر إنما اختفت الوحشة والحياة الصارمة فتحول السحر من عملية تُمارس في الأماكن المظلمة لعملية تُمارس علناً وأمام الجميع، تحول الدين من دين يُجنِب الإنسان خطر الوحوش والشياطين لدين يسترضي الآلهة.

المرحلة الثالثة: مرحلة الحضارات والمدن، كالحضارة الفارسية والبابلية واليونان والإغريق والحضارة الفرعونية، كل هذه الحضارات لم تنظر للسحر أنه شيئاً منفصلاً عن الدين، إنما كان هو الدين المعتمد لكن بشكل يُلائم الحياة في المدينة.
بمعنى، أن الساحر الذي كان يخاطب الوحوش والشياطين عند الإنسان الصياد، أصبح يخاطب كائنات نورانية عند الإنسان المزارع، ثم أخذ يُخاطب الآلهة حين عاش البشر في المُدن، الساحر الذي كان يمارس الطقوس السحرية ليُجنِب جماعته خطر الحيوانات البرية المتوحشة، أصبح يمارس طقوسه ليُمكِن جماعته من ترويض هذه الحيوانات، ثم وفي المدينة أخذ يُمارس طقوسه السحرية لإسترضاء الآلهة .. وفي كل الأوقات كان الساحر هو الكاهن وهو رجل الدين وهو المُقرب من بلاط القصر، أي أنه لم يكن منبوذاً كما عليه الحال اليوم.

طبعاً المراحل الأخرى "مرحلة الصناعة" ثم "مرحلة العلم" ثم "مرحلة التقنية" التي نعيشها اليوم، كل هذه المراحل لاشك أنها أثرت في علاقة السحر بالدين، لكنها أدخلت العلم كمنافس قوي هنا، لكن لأن علاقة السحر بالعلم موضوعاً آخر تجنب الحديث عن كل هذه المراحل.

***

في الحضارات الإنسانية القديمة "البابلية والفرعونية" مثلاً، كانت الآلهة فيها متعددة، أو عوائل من الآلهة، ولكل إله طقوساً سحرية محددة يُعبد بها، ولم يتحول الأمر للتوحيد "أي لعبادة إلهً واحداً خالق" إلا كمرحلة أخيرة وتحديداً في زمن الفراعنة الذي وُلِدت فيه اليهودية.

في بدايات الديانة اليهودية، وقصة موسى –عليه السلام- مع سحرة فرعون، هنا بدأ التمهيد للطلاق الفعلي بين عالمي السحر والدين، من هنا بدأ كل عالم يتخذ شكله المحدد والمختلف عن العالم الآخر، إنفصل العالمين من هذه اللحظات وأصبحت للساحر مهاماً محددة ولرجل الدين مهاماً أخرى مختلفة، ورغم أن الإثنان "الساحر ورجل الدين" يمارسان ما يُمارِسانه بطرق مختلفة إلا أن الإثنان في الأخير يلعبان في ملعب الماورائيات !

فما الذي حدث ؟! ..

الذي حدث أن رجل الدين سواءً كان شيخاً أو قسيساً أو كاهن، حل محل سحار القبيلة، الذي حدث أن الظروف الإنسانية تغيرت فكان لِزاماً على الساحر أن يخلع ثوبه ويرتدي ثوباً جديداً بأدوات جديدة تُمكِنه من الإحتفاظ بمكانته المعهودة .. من هنا يُمكننا القول أن الأضاحي ما هي إلا عملية تقليد لما كان يفعله الإنسان الصياد من تقديم القرابين البشرية، والتراتيل والأدعية ما هي إلا محاكاة لتعاويذ الساحر القديم.

إن الصراع ومحاولات الفصل بين عالمي "السحر والدين" بدأ فعلياً مع الأديان الإبراهيمية "اليهودية والمسيحية والإسلام" كل دين أراد الإستقلال بذاته والإبتعاد عن عالم السحر، وهذا الصراع لا يزال قائماً إلى اليوم بدلالته ما يمارسه رجال الدين سواءً بالصليب أو الرقية الشرعية لإستخراج الجن والشياطين وإبطال السحر، هذا الصراع الذي لا يزال قائماً يُعتبر دليلاً على أن هذين العالمين المختلفين اليوم كانا في السابق شيئاً واحداً.

***

إن فصل السحر عن الدين، ثم فصل الآلهة المتعددة عن الدين، كل هذا يعتبر نتائج عرضية للثورات الثقافية التي حدثت في التاريخ الإنساني، لم يكن الساحر هو هذا الإنسان المُخيِّف إنما حولته الثورة الثقافية التي رافقت الزراعة لمكاناً آخر، لمكاناً أرقى في الحقيقة، فقد تحول الساحر من مجرد رجل يمارس بعض الطقوس عند الإنسان البدائي لموظف رسمي ولكاهن أعلى في الحضارات القديمة، هذه المكانة كانت مرتبطة بتعدد الآلهة، لكن حين بدأت الديانات الإبراهيمية وبدأت الدعوة للتوحيد تم طرد الساحر للخبث والخبائث والأماكن المظلمة، حين ظهرت اليهودية بدأ إجبار الساحر أن يُمارس عملياته بشكل قذر نجس وطريقة تشمئز منها النفوس.

***

هذا ما كان بين السحر والدين .. السؤال هنا: ماذا عن الدين ؟!
في البداية كل هذه الأسئلة، وهذا الموضوع عموماً طويل ومعقد ويحتاج لكتب ومجلدات، إنما أحببت أن أوجز إيجازاً مُخِلاً بالمسألة، أن أبدي رأياً متواضعاً هنا، أن أستقرئ المسألة لا أكثر.

ماذا عن الدين في المستقبل ؟!
لقد دخل العلم والأداوت العلمية في الخط، كان الساحر يتنبأ بوقوع الخطر، فجاء الكاهن ليتنبأ بالغيب عن طريق النصوص الدينية، ثم جاء العالِم ليتنبأ بدوره بالمطر والزلازل ومرور النيازك .. إلخ، وهذا يعطينا دليلاً أن العِلم أيضاً ليس إلا إمتداداً للسحر القديم والدين الحديث.
لقد برز اليوم نمط التفكير العلمي، فهل سيلقى الدين ما لقيه السحر ؟! .. هل سيأتي في المستقبل من سيكتب عن رجال الدين بالضبط ما نكتبه عن السحرة ؟! .. كل شيء وارد، ووارد جداً.
ألا يشبه صراع العلم والدين اليوم ذلك الصراع الذي نشأ بين السحر والدين البدائي القديم ؟! .. فهل سينتصر العلم كما انتصر الدين سابقاً على السحر ؟! .. أسئلة لا أملك إجاباتها.

إن العلم ذاته ليس شيئاً من خارج هذا البيت الذي يتواجد فيه السحر والدين، إن الساحر القديم البدائي كان يستخدم العلم دون أن يُدرِك، كأن يستخدم نبتة لتغييب العقول، كان يستخدم أدوات العلم بطريقة غير واعية وهدفه مخاطبة الكائنات الماورائية "ملائكة أو شياطين أو أراوحاً أو آلهة" .. كان الثوب فضفاضاً عليه فجاء رجل الدين ليأخذ منه الجانب الماورائي ويختص بمخاطبة الآلهة، ثم جاء العالِم ليأخذ من العِلم وينظمه .. وقد تحدث ثورة ثقافية مستقبلية نتيجة لحدثاً ما يزيح العلم أيضاً عن الطريق ويدخل الإنسان وقتها لمرحلة ما بعد العلم.

إنه إن كان الدين هو ما بعد السحر، والعلم هو ما بعد الدين، فما بعد العلم شيئاً مختلف حتماً، لكن هل سيكون شيئاً أكثر تطوراً ؟!، فهنالك قولاً بأن العلم كلما تطور كان أقرب لوصفه بالسحر من كونه يأتينا بمعلومات وحقائق وكأنها من خارج هذا العالم الذي نفهمه، فالعبقرية كعبقرية "أينشتاين" شيئاً لا يمكن فهمه على الإطلاق إلا إن قلنا أنها نفحات ربانية، كما نُحيِّل الأشعار البديعة لعالم الجن، فهل سيكون "ما بعد العلم" علماً كالسحر، أم أم سيعود الدين البدائي القديم المعتمد على الطلاسم والشياطين ليتسيد المشهد من جديد ؟! .. كل شيء وارد والحديث في هذا الموضوع إعمالاً للعقل.


حدثني ثقة


حدثني ثقة، عن رجلاً يثق به، أن أحد الأحبة أخبره ذات يوم، بأنه قد قرأ في إحدى الكتب التي لا يحضره إسمها الآن، كلاماً قاله أحد العلماء الثقات، بأن أبرز علامات جهل المرء أن يصدق كل حديث يبدأه المتحدث بعبارة "حدثني ثقة" أو ما شابهها من عبارات على شاكلة "حدثني أحد الأحبة"  أو "سمعت عن أحد الفضلاء" أو "أثبتت الدراسات العلمية" أو "قرأت في إحدى الكتب التي لا يحضرني اسمها الآن" ... إلخ من العبارات التي لا يقولها المتحدث للتأكيد على صحة ما يتحدث به إنما كي يوهم المستمع أن ما يقوله صحيح ولا غبار عليه، وإن كان ينطق بهراءٍ لا جدال فيه.
كأن يورد قصصاً عن طائر لقلق قتل أنثاه لأنه شك في شرفها، أو عن فتاةٍ أدمنت سماع الأغاني وحين وافتها المنية قالت: أشهد أن لا إله إلا الغناء.

كذلك حدثني ثقة بسندٍ مهترئ مهلهل أن الواجب على الجمهور أن يحيل كل ما يأتي بعد عبارة "حدثني ثقة" لسلة الأكاذيب مع تنبيه قائلها على أن سنده مهترئ مهلهل لا يعتد به بأي حال، فإن لم يفعل الجمهور كما لا يفعلون دائماً حين يفضلون تصديق محدثهم وتنزيهه ثم تنزيه أحاديثه عن كل معيبة، فهذا في حقيقة الأمر ليس ثقةً منهم في محدثهم الفاضل إنما لأنهم يعيشون النتيجة المنطقية والطبيعية لعمليات التجهيل المنظمة والتي خضعوا لها على مدى عقود، تجهيلاً بدء بتحريم الفلسفة وتدريس المنطق ونبذ إعمال العقل وكراهية طرح الأسئلة، إلخ من المساوئ التي من الطبيعي جداً أن تنتج عقولاً تتقبل برحابة صدر كل هُراءٍ لا يمكن قبوله أبداً، والأدهى أنهم لا يقفون فقط عند تقبله إنما يضعونه في خانة المسلمات التي لا يجوز التشكيك فيها أبداً !!.

ومما حدثني به أحد الثقات أيضاً، أن الثقة التي يمنحها المتحدث لمن ينقل عنه قد لا تكون في محلها، فقد يكون ناقل المعلومة كاذباً بطبعه لكنه يمثل دور الصادق فينقل بمراوغة، أو أن يكون ناقل المعلومة رجلاً فاضلاً لكنه يجهل بأن المعلومة التي يحملها لا قيمة لها، والإعتبارات متعددة هنا، لهذا وجب على المتحدث أن يبين إسم وحال ناقل المعلومة كي يتبين الأخرين في أمر من ينقل عنه، أكذابٌ هو أم صادقٌ أم أرعن يطير بكل معلومة على علاتها، فإن حدث وبين المتحدث إسم وحال الثقة الذي ينقل عنه ثم تبين للأخرين بعد التمحيص أن ناقل المعلومة فعلاً رجلاً صادقاً نزيهاً، فالمفترض حينها أن لا يتم قبول المعلومة فوراً إنما يتم نقلها لمرحلة التدقيق والفحص للتعرف على منطقيتها ومعقوليتها، بعد كل هذه العملية يأتي التقرير إما بالرفض أو القبول.

كل هذه العمليات من تمحيص وتدقيق وفحص وإطالة نظر، تجري إن كشف المتحدث عن هوية من ينقل عنه ثِقةً فيه، فكيف الحال وعبارة "حدثني ثقة" باتت تقال دون أن يكون خلفها شخصاً بعينه ؟!، دعاةً ووعاظ وخطباء يسترسلون في الحديث مبتدئين بعبارة "حدثني ثقة" وليس خلفها إلا أشباح، يرددون العبارة وكأنها نوعاً من أنواع القسم والحلف أو لتجنب الإكثار من القسم والحلف، والهدف هو إيهام المستمع بأن ما سيقال تالياً حتماً صحيح ولا غبار عليه بدلالة أنه منقول عن رجلاً ما مجهولاً لكنه من أهل الثقات الفضلاء، إنها عبارة باتت تقال إنسياقاً خلف عاطفة الجمهور أو جراً لهذه العاطفة في إتجاهات محددة، وطالما الكرة بالكامل في ملعب العاطفة فلتُضرب المصداقية والأمانة عرض الحائط، غير مأسوفٍ عليهما.

الآن ما الحل لهذه المعضلة؟، فالثقة المنقول عنه شبح، بمعنى أنه في الغالب لا يوجد ناقل للمعلومة من الأساس، فما الحل ؟!.
إن طالبنا باسم الثقة بغرض التوثق فلن يتم الكشف عنه لا عمداً ولا جهلاً من المتحدث إنما لأنه ينطق بعبارة "حدثني ثقة" وكأنه يُقسِم، وسيُقسِم هذا وإن كان كاذب، فما الحل ؟!
الحل أن نتجاوز مسألة البحث عن إسم وحال الثقة ناقل المعلومة وننشغل بفحص والتدقيق في المعلومة ذاتها، للتعرف على منطقيتها ومعقوليتها، فإن فعلنا سنلاحظ فوراً بأن كل حديث يأتي بعد "حدثني ثقة" يصب في إتجاهات محددة، إما عن النساء، عن تلك التي لبست العباءة على الكتف والأخرى التي عملت في مكان مختلط، أو عن الموسيقى والفن وحال الفنانين، أو عن ملائكة تقاتل في المعارك، أي أنها في الغالب خزعبلات تُقال لإثارة مشاعر وعواطف الجمهور، إنها عملية لا مراعاة فيها حتى لقول النبي –عليه الصلاة والسلام- [كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع].


إن القرآن هو مصدر التشريع الأول، تليه الأحاديث الصحيحة، وهنالك القرآنين الذين يطالبون بإحالة حتى الصحيح من الأحاديث إلى القرآن فما خالفه فيرد، وحجتهم أن القرآن هو المعيار الأساس ولا يجوز تقديم مصدراً آخراً عليه أو حتى مساواته به، الإشكالية التي ظهرت لاحقاً أن هنالك من راح يأخذ بكلام الرجال من مفسرين وشراح أنه مصدراً للتشريع مساوي وأحياناً مقدم على القرآن والسنة، والخوف أن يأتي زمناً يصبح فيه ( الكيس ) مصدر تشريع يعتد به، أن يأتي داعية أو واعظ ليُشرِع للناس من ( الكيس ) وأداته الوحيدة أن يبتدئ حديثه ببضع عبارات على وزن "حدثني ثقة" والله المستعان.

عِلة علم الحديث


العلم يصحح نفسه بشكل مستمر، ولهذا التصحيح أدوات عديدة أهمها أن عملية نقد العلم تعتبر جزءً أساسياً في تركيبة المنهج العلمي، أن يطرح أحدهم فكرة أو نظرية فنقدها أمراً لا مفر منه، ولولا هذا النقد لبقيت الأرض إلى اليوم في مركز الكون، ولبقي الإنسان بكامل هيئته محشوراً داخل الحيوان المنوي.
لكن الملاحظ واليوم تحديداً أنه وبرغم إستمرارية نقد العلم إلا أنه لا أحد –من العقلاء- يستدعي النظريات والأفكار القديمة كحجج يعزز بها نقده، الناقد المتزن العاقل اليوم لا يقدم نموذج الأرض المجوفة مثلاً ليشكك في النظريات الجيولوجية الحديثة، لأنه يدرك أنه إن فعل فسيضع نفسه موضع سخرية، وهكذا يمكن القول أن المرفوض ليس النقد إنما تدعيم النقد بالحجج القديمة التي تم دحضها تماماً أو تم تصحيحها بالكامل.
إلا أننا حين نتحدث عن العلم الشرعي عموماً وعلم الحديث تحديداً فالمسألة تختلف في جزئية أن إستدعاء أو تدعيم النقد بالحجج التي تم طرحها سابقاً مسألة لا تضع الناقد في موضع سخرية أبداً، هذا لأن كل أو معظم الحجج القديمة لاتزال تحتفظ بقيمتها إلى اليوم، وسبب إحتفاظها بقيمتها أنه لم يتم دحضها أو الإجابة عليها بشكل علمي واضح ومحدد، لذا حين يردد علماء الحديث أن فلان الناقد "لم يأتي بجديد" ففي الحقيقة عبارتهم هذه تدينهم، إنها عبارة عليهم لا لهم، فلو أنهم دحضوا وفندوا كل الحجج والطعون التي تم توجيهها لعلم الحديث فعلياً لما كانت هنالك حاجة أساساً للتكرار، لأدرك الناقد أنه إن فعل هذا الأمر فسيضع نفسه موضع سخرية، لكنه يفعل بلا حرج !، بل ويتمادى بإضافة حجج جديدة ستواجه –غالباً- بنفس الإعراض والتجاهل وأحياناً التسفيه والإستصغار.

عموماً، ليس بالضرورة أن يكون الناقد مُدلِساً أو مُستشرِقاً أو عابد هواه شيطاني النزعة، وأيضاً ليس بالضرورة أن يكون الناقد –تحديداً اليوم- عالماً متمكناً ملتزماً بمعايير علماء الحديث، فاليوم قد دخل رجل الشارع البسيط على الخط، أصبح الإنسان من العامة قادراً على الوصول للمعلومة بسهولة وقادراً على أن يتحصل من المعرفة ما يلزم لأن يربكه تماماً، والإرتباك هنا ليس بسبب المعرفة فقط إنما بسبب اكتشافه بأن أجزاءً من هذه المعرفة تخالف الواقع الفوضوي تماماً، بينما أجزاءً أخرى منها قد ساهمت في تشكيل هذا الواقع الفوضوي! .. مثل هذا الإرتباك من الطبيعي أن يولد لدى الإنسان البسيط العديد من الأسئلة، أسئلة على شاكلة:
كم عدد الأحاديث الصحيحة بالضبط ؟!، قالوا بأنها سبعمائة ألف، ثم قالوا بل مئتي ألف لا بل مائة ثم قالوا أنها أربعة عشر ألف لا غير، فعارضهم أخرون بالقول أنها لا تتجاوز الأربعة ألاف وأربعمائة !! .. كم عدد الأحاديث الصحيحة بالضبط ؟!!، فلو أن عدد سور القرآن أو آياته أمراً مبهماً هكذا، لكان هذا سبباً كافياً لخلق حالة تخبط شديدة.
ثم لماذا تتم تسمية الموضوع والضعيف والمكذوب بـ "الحديث" ؟!!
فالقرآن متماسك ومحفوظ لأنه ببساطة قرآن، لا توجد فيه آية ضعيفة أو سورة موضوعة، إلا أن مسمى "حديث" المفترض أن يكون من قول نبي الله وحده إلا أننا نجده مصطلحاً يُطلق على كل هرجٍ وخاطرة، وكل ما سُمي حديثاً بغض النظر عن تصنيفه فله تأثيره في تشكيل أفكار وعقائد المسلمين، بل وتتم عليه بناء أحكام فقهية حتى وإن كان موضوعاً أو ضعيف !.
ثم ماذا عن الأحكام الفقهية التي تم بناءها على أحاديث صحيحة تم تضعيفها لاحقاً ؟، وماذا عن الأحكام الفقهية التي يتم بناءها اليوم على أحاديث تعتبر صحيحة، إن تم تضعيفها مستقبلاً ؟!!
وأهم سؤال في هذا الجانب، لماذا نقد السند مقدماً على نقد المتن ؟!، بل لماذا من الأساس يتم التعامل مع أحوال الرواة أنه المعيار الأساسي لتصنيف الحديث ؟!، فأحد المغالطات المنطقية أن يتم قبول عبارة أو رفضها بناءً على شخصية وصفات قائلها لا على إستحقاقها ذاتياً للرفض والقبول، مثلاً كأن نقول "طالما فلان مشهوراً بالكذب إذاً عبارته هذه بالضرورة خاطئة" ولو صح هذا المعيار لما قال النبي –عليه الصلاة والسلام- متحدثاً عن الشيطان بكل صفاته الرديئة [صدقك وهو كذوب] .. بمعنى، يا أبى هريرة رغم أن الشيطان كذوب بطبعه إلا أن عبارته هذه صحيحة.
من هنا ندرك أن صفات وطبائع القائل أبداً ليست معياراً يتحدد به قبول أو رفض القول ذاته، لكنها في علم الحديث تعتبر معياراً أساسياً إن لم يكن المعيار الوحيد !!.
فماذا عن نقد المتن إذاً ؟!
صحيح أن نقد المتن من أهم الأدوات في علم الحديث، وصحيح أن هنالك مجهودات جبارة قام بها علماء الحديث والمنشغلين به، لكن الصحيح أيضاً أن العملية برمتها تعاني من علتان رئيسيتان، العلة الأولى –كوجهة نظر- أنها عملية إنتقائية، بمعنى أن هنالك عملية إنتقاء للمتن محل النقد، وكأن الهدف هنا هو تجنب مصادمة السائد قدر المستطاع، أو ربما هي سباحة من قِبل المُحدثين مع التيار لا أكثر، كأن يتم تجنب نقد متن الحديث الصحيح [ما فلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة] .. وهكذا.

أما العلة الأخرى أنها عملية نخبوية بإمتياز، أنها عملاً خاصاً بدائرة العلماء الذين تتحقق فيهم شروطاً محددة وضعها علماء الحديث أنفسهم !، إن هذه النخبوية ورغم إقرارنا بأن لها ثماراً عظيمة إلا أنها ثماراً معلقة في السماء ولا تصل للأرض أبداً، وربما لهذا لايزال المتطرف يجد له على الأرض أحاديثاً يراها صحيحة رغم أنه قد تم نقدها لخلل في متنها، لكن هذا النقد لم يصل للأرض أبداً، فيستند عليها المتطرف وينطلق في تطرفه مبتسماً إبتسامة رضى تامة، يقتل ويسلخ ويحرِق دون أن يرمش، والسبب أنه وجد حديثاً عابراً لم ينتقده أحداً او تم نقده في الغرف المغلقة !!

التغيير والوهم

 

ما الذي يحدث في المجتمع السعودي ؟!.
حفلات .. مسارح .. اختلاط .. سينما .. سماح للمرأة بقيادة السيارة وحضور للملاعب ... إلخ.
تغييرات كثيرة حدثت فعلياُ وأخرى أكثر قادمة، فما هو الدافع لكل هذا ؟!.
حسناً، نستطيع أن نقول في هذا الموضوع كلاماً يجذب أكثر الناس ويستهويهم، بل وينال قائله عبارات الشكر الجزيل، كأن نقول مثلاً بأننا نعيش مؤامرة كبرى على هذه البلاد، وأن الغرب الحاقد يريد إخراج المرأة من عفتها كي يسقط المجتمع تِباعاً في وحل الانحطاط، وأننا آخر حصون الدين وعلينا أن نقف صفاً واحداً أمام هذه الهجمة الإمبريالية الشرسة .. إلخ من هذا الكلام الفارغ الذي يجذب الناس دائماً كونه كلاماً عاطفيا يضع اللوم على قوى خارجية ويبرئ ساحة المجتمع، لهذا فهو خطاب يعجب هؤلاء.
حسنا، ماذا عن الكلام الذي يغضب الناس، والذي يغضبهم بالطبع هو أن نقول لهم بأن الخلل أولاً وأخيراً، فيهم ومنهم.
والخلل الذي يعتبر أحد الدوافع وراء كل هذه التغييرات اليوم، أننا مجتمع عاش آخر أربعين عام بالكامل على الأوهام، والوهم من صفاته أنه إذا دخل في مجتمع فينتشر بسرعة، وبنفس السرعة يتحول لقناعات ومبادئ راسخة، ثم يستلم المجتمع هذه القناعات الراسخة ليبني عليها نظام اجتماعي متكامل، وهذا بالضبط ما حصل، أننا لأربعين عاماً قد سمحنا للأوهام بأن تسيطر علينا وتؤثر فينا، وأننا فعلاً حولنا أوهامنا لقناعات ومبادئ حرمّنا حتى التشكيك فيها، ثم إننا فعلاً بنينا نظام اجتماعي متكامل على هذه الأوهام، غيرنا في سياسات التعليم مثلاً وفي أساليب التربية وشكل الثقافة حتى في طبيعة تواجدنا في الأماكن العامة.

من أبرز الأوهام التي سيطرت علينا، توهُمنا بأن جهاز «هيئة الأمر بالمعروف» هو صمام الأمان الوحيد للمجتمع، وهذا الوهم بدوره تفرعت عنه أوهاماً لا حصر لها، أبرزها أن زوال هذا الجهاز يعني بالضرورة دخول المجتمع في نفق شهواني لا يأمن فيه الزوج على زوجته ولا الأخ على أخته.
من الأوهام أيضاً أننا توهمنا بأن الواجب الشرعي على المرأة يُحتِّم عليها أن تقِر في بيتها أسوةً بالصحابيات، رغم أن الصحابيات –رضوان الله عليهن- لم يقِرن في بيوتهن طيلة الوقت، إنما خرجن للتجارة وشاركن في الغزوات، وكانت لهن آراء ومواقف قوية في الشأن السياسي والاجتماعي، ما يعني أننا بنينا توهمنا عن المرأة السعودية بناءً على توهمنا بأن الصحابيات كلهن نسخة عن (مريم بنت عمران) -عليها السلام-، أي أنهن –الصحابيات- اعتزلن الحياة الاجتماعية وجلسن في بيوتهن طيلة الوقت، ونتيجة لهذا الوهم المركَّب تحولت المرأة السعودية من كائن حي لجوهرة وذرة وحلاوة مغلفة، المهم أنها ليست إنساناً سويا.
من الأوهام أيضاً، وهو وهم معاكس لتوهمنا عن المرأة، ففي الوقت الذي تخيلنا فيه المرأة جوهرة مصونة، توهمنا بأن الشاب في حقيقته ليس إلا كائن شهواني بالفطرة، أنه ذئب بشري يهيج إذا صادف فتاةً تمر من أمامه، والغريب في هذا الوهم أن المقتنعين به يرفضون معظم الحلول المقدمة للحد من التحرش، لأنهم أيضاً يتوهمون بأن قانون مثل قانون منع التحرش يخالف الشريعة الإسلامية، وهكذا رغم التوهم بأن المجتمع يتكون من جواهر وحملان توهموا بأن الحلول المنطقية لمنع أذى الذئب عن الحمل الوديع يعتبر رذيلة !!.
هكذا يتشعب الوهم في كل اتجاه بنفس السرعة التي ينتشر بها داخل المجتمع.

هذه بعض أوهامنا التي حولناها لقناعات راسخة فعلاً، بل وغيرنا بها النظام الاجتماعي بالكامل، ومجتمع عاش على هذا المنوال سنين عديدة، فمن الطبيعي أن يخضع في الأخير لتغييرات صادمة ومفاجئة، وفي الحقيقة أحد الأهداف من كل هذه التغييرات أن تكون صادمة ومفاجئة للمجتمع، لأننا أوصلنا أنفسنا لمرحلة كان لا بد فيها وأن نخضع لعلاج بالصدمات، والعلاج بالصدمات فعّال في حال فقد المريض قدرته على التمييز بين الوهم والحقيقة.

وللتدليل على أننا في مرحلة العلاج بالصدمات، يكفي أن نتأمل في طريقة تعاملنا مع كل قرار وتغيير، لنكتشف بأننا نسير دوماً في نمط واحد لا يتغير، فنحن في البداية نصدم حين نسمع بتغيير قادم، ونصدم أثناء التغيير، ثم نصدم بعد التغيير .. كمثال، حين علمنا بأن هيئة الأمر بالمعروف سيتم ترشيد عملها شعرنا بالصدمة، هذه الصدمة جعلتنا نعيد إحياء أوهام السنين، وافترضنا الأسوأ، بمعنى لو حدث هذا الأمر فحتماً ستحدث كوارث، كأن ينتشر الفجور في كل مكان، ويخرج التحرش عن السيطرة، وبعد أن تم ترشيد عمل الهيئة فعلاً، حينها شعرنا بالصدمة الأخيرة، كيف أن كل ما أقسمنا على حدوثه لم يحدث أي شيئاً منه، والصدمة هذه المرة سببها اكتشافنا بأن ما آمنا به كمسلمات هو في حقيقته مجرد أوهام وخزعبلات، وعلى هذا النمط مضينا مع كل تغيير.
دائماً نصدم فور سماعنا بحدوث تغيير قادم، ودائماً الصدمة تجعلنا نفترض الأسوأ، وفي الأخير نصدم حين تتهاوى قناعاتنا الراسخة رسوخ الجبال، وفي رأيي أن أحد الفوائد من كل هذه التغييرات أن يستيقظ الجميع، أن يكتشفوا بأن ما يرونه حقيقة ماثلة أمامهم قد لا يعدو كونه سراب، حينها سيعود المجتمع للحالة الطبيعية، وهذا لا يعني أننا سنصبح مجتمعا مثاليا إنما سنكون مجتمعا خاليا من الأوهام، أو مجتمعا نسبة الأوهام فيه طبيعية.


ختاماً، إن الهدف كان ولا يزال من زرع الأوهام في المجتمع هو أن يظل الجميع في حالة خوف وقلق دائم، خوف وقلق من كل شيء وعلى كل شيء، وأن يفقد الناس ثقتهم في كل شيء، في أنفسهم وفي وطنهم ودينهم، والمجتمع الخائف يعتبر فريسة سهلة للضباع، المجتمع الذي يفقد أفراده ثقتهم في كل شيء هو مجال ممتاز ليستثمر فيه المرضى، وما أكثر المرضى الذين استثمروا فعلاً في مجتمعنا لسنين طويلة، وفعلاً حققوا الأرباح، هؤلاء المتربحون من الوهم هم من يتزعم اليوم لعن أي تغيير.

الخلافة وهم والحقيقة وطن



بدأ الأمر بنبوة ثم خلافة على منهاج النبوة، تلاها مُلكاً عضوضاً بدأ بـ(معاوية بن أبي سفيان) مؤسس الدولة الأموية، وانتهى بـ(عبدالمجيد الثاني) آخر سلاطين الدولة العثمانية، واستمر هذا المُلك ما شاء الله له أن يستمر، ثم جاءت الفترة التي لازلنا نعيشها، فترة المُلك الجبري، وستستمر ما شاء الله لها أن تستمر، ثم ستعقبها خلافة على منهاج النبوة التي من أولى دلالاتها أن يخسف الله بجيشٍ كامل، وتراق الدماء في كل مكان !!

حسنا، لو تأملنا في هذا التقسيم فسنجد أنفسنا أمام العديد من الإشكالات، أبرزها أنها تجعل عقل المسلم في حالة رفض دائم للواقع الذي يعيشه، مهما كان هذا الواقع هادئا وكان المسلم فيه مرتاح البال، إلا أنه سيرفضه رفضا قاطعا، لا لشيء إلا لأن الرفض هنا عبادة !.

ما طبيعة ذلك الواقع الذي عاشه النبي ؟! .. ما أبرز سمات فترة الخلافة على منهاج النبوة ؟! .. ما طبيعة الحكم الذي يمكن القول إنه على منهاج النبوة ؟!
الإجابة عن مثل هذه الأسئلة دائما لها اتجاهان، الاتجاه الأول عقلاني بلا توهمات، أما الثاني فمبني بالكامل على توهمات، وكلا الاتجاهين مترابطان، بمعنى أن من العقلانية دوما أن يقول الإنسان لجموع المتوهمين، كفى، فما عاش النبي -عليه الصلاة والسلام- في مدينة أفلاطونية متوهمة بالكامل، إنما عاش واقعا فيه من المنغصات ما الله به عليم، وهذا هو منهاج النبوة، أن يعيش الإنسان واقعه ويحاول إزالة ما فيه من منغصات لا أن يرفض الواقع ويعيش مستقبلاً مبني على أوهام، المدينة الفاضلة دائماً هي الموجودة الآن لا تلك الموجودة في الرؤى والمنامات.

منهاج النبوة أن يعيش الإنسان في الواقع لا في الخيال، لأن العيش في الواقع أولى خطوات الإصلاح والبدء في التحسين، أما الهرب من الواقع والذهاب لعالم افتراضي لم ولن يوجد أبداً، فهذا سيراً معاكساً تماما لمنهاج النبوة، لم يحدث أن عاش النبي والصحابة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) حياة هانئة مسالمة عمّ فيها الخير والسلام أرجاء المعمورة، بل عاشوا صراعاتاً وحروباً، وتواجد بينهم المنافقون والحاقدون، وظهر في زمانهم الخوارج، وحدثت فتناً عظيمة لم تهدأ أبدا، لقد عاشوا حرفيا على فوهة بركان ثائر لم يهدأ يوما، ولم ينجحوا أبدا في إخماده إلا أنهم لم يتوقفوا أبدا عن العمل المتواصل على إخماده، وهذه ميزتهم، أنهم كانوا في سعياً دائم لإصلاح الواقع قدر المستطاع.

الآن، لو قلت إننا نعيش فترة حُكم على منهاج النبوة لقالوا هذا ينافق، لأن القائلين يفترضون بأن «منهاج النبوة» عبارة عن شيئاً ما كان الجميع فيه سعداء مطمئنين، وأنه لم يكن يوجد في تلك الفترة فساداً ولا إفساد ولا نقضاً للعهود ولا ردة ولا أنبياءً كذبة، يفترضون بأن الطير كان يبيت في جحر الأفعى، وأن الحمل الوديع رقص مع الذئاب، وأنه لم توجد سرقة وتعدٍّ على الحقوق وصراعات دموية على السلطة.
كل هذه فرضيات لا أساس لها من الصحة، فما الضير أن ننظر لواقعنا، بل ونؤمن عن قناعة بأننا اليوم نسير على منهاج النبوة ؟، فلا قهراً بيِّن هنا، ولا ظُلماً صريح، ولا هي شيوعية أو نازية والدول العربية أبداً ليست طائفية أو دموية، صحيح يوجد فساداً ومحسوبية، وفقراً وبطالة، لكن من قال إن مثل هذه المنغصات لم تكن موجودة فترة الخلافة على منهاج النبوة ؟!.

تسعة وعشرون عاما حكم خلالها الخلفاء الأربعة، هذا هو عمر الواقع الافتراضي الذي لم يوجد أبدا، ثم يراد لنا أن نؤمن بأن ما لم يحدث بالأمس أنه حتماً سيحدث غدا ! .. ولو سألنا أحدهم: ما الذي سيحدث غدا ؟! لقالوا: سيحدث غدا ما حدث بالأمس، عدلاً وإخاءً وسلام، ونوراً إيمانياً يُضيء ما بين الأرض والسماء .. حسنا، أين حدثت هذه الأشياء ومتى بالضبط، فهذا كتاب التاريخ خذوه واقرأوه مرة ثم أعيدوا القراءة مرتين، بعدها حددوا لنا بالضبط رقم الصفحة التي حدثت فيها كل هذه الأوهام !!.
الصحابة بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- ساروا على نهجه، ونهجه أن يواجه الإنسان واقعه ويسعى دوما لتحسينه، نهجه أن يصحح المجتمع مساراته بشكل متواصل مع تقبل الجميع لفكرة أنهم مجتمع بشري ناقص معيب على الدوام، الصحابة بعد موت النبي تقاتلوا على السلطة، وانتقد بعضهم البعض، وأعرض بعضهم عن بعض، وانتهى الأمر بسفك دم عثمان والخروج على علي ثأرا لعثمان، والقول بهذا ليس استنقاصا منهم، إنما للتأكيد على أن المسألة برمتها تحولت  بعد موت النبي لبشرية بامتياز.

1400 عام هو عُمر رفض المسلمين التام للواقع، وهمٌ عام تم زرعه في عقل المسلم لا لشيء إلا ليلعن يومه، ويبقى في حالة سخط دائم على الحاضر، والساخط إنسان مأزوم، يبحث عن حل فلا يجده إلا عند حكواتيه لا يفقهون في الواقع ومشاكله شيئاً.

علينا أن ندرك أننا بشر، ما يعني أن الدنيا أمامنا أمواج متلاطمة، ولا بر أمان إنما سيراً متواصلاً في هذه التلاطمات، ولا حل هنا إلا بركوب سفينة قوية متماسكة، والسفينة هي الوطن، والوطن هو الحقيقة الوحيدة، أما الخلافة فمجرد وهم يراد منا أن نركبه لنصل لبر أمان لا وجود له، ثم يراد منا لضمان الوصول للسراب أن نخرق السفينة، أن نلعن الحقيقة !!.

الخليفة والخلافة ببساطة


حين استلم (عمر بن الخطاب) الأمر من بعد (أبي بكر الصديق) -رضي الله عنهما- لم يستشر فلاسفة ومفكرين ولا خبراء محللين ليوضحوا له الفروقات اللغوية بين مصطلحي الخلافة والإمارة وطبيعة عمل كل منهما، لم يراجع كتباً وبحوثاً ودراسات ليستنبط أن لقب «خليفة رسول الله» لا ينطبق عليه أبداً، إنما هو خليفة أبي بكر، وكان الصحابة فعلاً ينادونه بـ«خليفة خليفة رسول الله» إلا أنه استثقل الأمر، فاستشار الصحابة في المسألة ليشيروا عليه بأن يتخذ لقب «أمير المؤمنين»، فأخذ به من لحظتها، وتبعه في هذا الأخذ كل من (عثمان وعلي).
حسناً، بنفس البساطة كان من المفترض هنا أن يموت مصطلح خليفة، وتموت الخلافة بموت (أبي بكر الصديق) وأن تتحول المسألة برمتها لأمارة، بمعنى أن تتحول لمسألة دنيوية سياسية وليست إلهية مقدسة.

إلا أن ما حصل في حقيقة الأمر أنه جرت عملية تمطيط مبالغ فيه لمصطلح «خليفة» تمطيطاً غيَّر تماماً ذلك المعنى البسيط الذي فهمه الفاروق، أصبحت خلافة رسول الله مجرد واجهة فقط تخفي حقيقة أن الخليفة بات خليفة الله مباشرة، وظله الوافر، وأنه الوكيل الحصري عنه –سبحانه وتعالى- في تسيير شؤون الخلق دينياً ودنيوياً !.
الذي حصل أن التراث ألبس (عمر وعثمان وعلي) ثوباً رفضوا هم ارتداءه، فهؤلاء الصحابة العِظام قالوا: إنما نحن أمراء، غير أننا قلنا: بل أنتم خلفاء ولو بالإكراه ! .. وليت الأمر توقف عند مسألة خلافتهم - رضي الله عنهم- لكنه امتد واتسع حتى شمل كل من جاء بعدهم بدءًا من (معاوية بن أبي سفيان) وصولاً لـ(عبدالمجيد الثاني) الذي تحالف بالأمس القريب مع النازية الألمانية !.
100 حاكم كلهم خلفاء الله وأولياؤه وظله الوافر على الأرض، إن غضِب أي منهم غضب الله لغضبه، وإن ابتسم أمطرت السماء .. فأين الخلل ؟!
في عام 1979م وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، خرج (الخميني) بنظرية «ولاية الفقيه» التي تنص على جواز تولي شؤون البلاد والعباد بالنيابة عن الإمام الغائب المعصوم "ع.ج" شريطة أن يكون النائب فقيهاً عالِماً بالأحكام الشرعية، وبهذا فالولي الفقيه هنا يشارك الإمام المعصوم في الوظائف، ولا يشاركه في العصمة والقداسة.
إن الهدف الحقيقي من نظرية الولي الفقيه أن يتحول الخميني إلى نصف إله، أن يملك زمام دين الناس ودنياهم، السؤال هنا: من أين استلهم الخميني نظريته ؟!، هل شطح به الخيال وابتدع مفهوماً جديداً لم يخطر على بالِ أحد؟!، الحقيقة أن ولاية الفقيه ليست إلا عملية محاكاة لمفهوم الخلافة .. فالولي الفقيه ينوب عن الإمام، والخليفة ينوب عن الرسول، وكلاهما كاذبان، صحيح هنالك اختلافات عديدة بين المفهومين، لكن المبدأ هنا واحد، مبدأ إمساك السلطة الدينية والدنيوية بقبضة واحدة، وهذا هو الخلل.
المشكلة حين يعطي الحاكم لنفسه صلاحيات تحوله لنصف إله، فيرسم خطط عمل الوزارات والبلديات، ويرسم طرق الناس إلى الجنة والنار، ليست المشكلة في (الخميني) فقط رغم أنه بتفكيره وعقليته مشكلة بحق، إنما المشكلة في حالة انفصام الشخصية التي تصيب كل من يعيش نصفه في الأرض ونصفه الثاني في السماء، ولو نجح (جهيمان) في مسعاه أو نجح (الإسلامبولي) قاتل السادات، أو نجح أيٌ من هذه الكائنات، لأصبح لدينا في كل دولة (خميني) .

إن الحديث هنا ليس عن فرضيات وتكهنات، إنما عن حاضراً ملموس العمل فيه قيد التنفيذ، بالأمس القريب هلل الإخوان ورقصوا لا لأنهم حكموا مصر، إنما لأنهم بحكم مصر أصبحوا قريبين جداً من تحقيق غايتهم العظمى المتمثلة في إقامة الخلافة، وحين سقطوا، وتم تشريدهم، لم ييأسوا أبداً، إنما اتجهوا فوراً إلى تركيا، ومن هناك أخذوا يبشرون ويخططون جدياً لإعادة إحياء الخلافة العثمانية، وهكذا يتضح أن هدف الجماعات الإسلامية كلها ليس إحياء خلافة بعينها، إنما أي خلافة والسلام، كل جماعة تحاول أن تصنع خلافتها المستقلة فتفشل، لكنها لا تيأس، وهكذا تحالف جميعهم مع إيران التي يحكمها ملالي يحملون نفس الهستيريا، ففضحهم الله وتعروا، لكنهم لم ييأسوا أيضاً، إنما اتجهوا جميعاً إلى تركيا، وأخذوا يبشرون، بل ويعملون على إحياء الخلافة العثمانية.

فما هي الخلافة عموماً والخلافة العثمانية تحديداً، والتي يتم التبشير بها والعمل على إحيائها اليوم ؟!.

للجواب هنا اتجاهان، الأول مسكوتاً عنه، والثاني خرافات يتحدث عنها الكل، أما الخرافات فقولهم بأن الخلافة واجب شرعي، وأنه لا عز للمسلمين إلا بها، وأن الخلافة العثمانية هي السد الأخير الذي حين سقط تقهقر المسلمون، هذا ما يُقال بكثرة، أما المسكوت عنه فإن الخلافة عموماً والعثمانية تحديداً مجرد قصور وغلمان وجواري، وعبيد وإماء، واغتيالات عنيفة لا حصر لها، الأخ قتل أخاه، والأب قتل أبناءه حفاظاً على الكرسي، صحيح أن في تاريخ الخلافة لحظات صعود كثيرة، لكنها على كثرتها ليست الغالب، إنما الغالب هو الهبوط، والأصل أن الأحكام تجري على الغالب لا على لحظات مشرقة من عمر الأمة تمر كومضات أول من سارع لإطفائها ووأدها هم الخلفاء.

هدم الحوزات العلمية



الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وسورية، إما أنها خرجت من المساجد أو احتمت بها في الأيام والشهور الأولى للثورة، وفي كل هذه الثورات كان الثوار يتجهون أولاً لمواطن الخلل الرئيسية، للإدارات الحكومية وأقسام الشرطة ومقرات الحكم والمحاكم، ثم يعودون مرةً أخرى للمساجد للتزود روحياً ومعنوياً ولترتيب أمورهم.
أما في إيران التي تعيش هذه الأيام أجواء ثورة عارمة فالعكس تماماً هو ما يحدث، الثوار في إيران لم يتجهوا لمقرات الحكم ولا لأقسام الشرطة، إنما اتجهوا إلى الحوزات العلمية والحسينيات، حرَّقوا هذه وهدَّموا تلك ! .. إن الثوار في إيران "جياع" مع هذا لم يتجهوا للمخابز والمطاعم، إنما للأوكار التي حرمتهم لقمة العيش، للحوزات العلمية والحسينيات !.

إن دور العبادة في الدول العربية التي قامت فيها الثورات قد اعتبرها الثوار مصدر أمان وطمأنينة وسلام، المساجد وحتى الكنائس بالنسبة لهم أماكن حماية وبحثاً عن حلول، بينما في إيران وبشهادة خط سير الثوار فالحسينيات والحوزات العلمية هي مصدر القلق والاضطراب، هي أماكن تصدير كل المشاكل الاجتماعية، بمعنى أن الفقر والبطالة والفساد وغياب العدالة الاجتماعية والكثير من المشاكل الاجتماعية خرجت من الحوزات العلمية والحسينيات لمقرات الحكم والإدارات الحكومية وأقسام الشرطة لا العكس.
فما الذي جنته الحسينيات والحوزات العلمية حتى أصبحت الوجهة الأولى للثوار في إيران ؟
في البداية، الحسينيات والحوزات العلمية الإيرانية ليست فقط دُوُّر عِبَادة وأماكن لتلقي العلم الشرعي، المسألة ليست بهذه البراءة أبداً، بل إن مهمتها الأسمى وربما الوحيدة أن تصنع وتنتج سياسيين واقتصاديين وإعلاميين وعسكر ثم تصدرهم للمجتمع، وبعد التصدير تبدأ مرحلة مراقبة عمل هؤلاء وتوجيههم والحرص على عدم تجاوزهم للخطوط الشيعية الجعفرية الحمراء التي تم رسمها داخل الحسينيات والحوزات بعناية .. أي إن الحوزات والحسينيات هي المتحكم الفعلي في مؤسسات الدولة المختلفة، أو بمعنى أدق هي حكومة الظل أو الدولة العميقة المتحكمة في الحريات الفكرية والإعلامية وفي السلوك الاجتماعي العام، كذلك في الاقتصاد ونظام الحكم وحتى في تجارة المخدرات.
إلا أن ما سبق ليس أخطر أدوار الحوزات والحسينيات الإيرانية، فأخطر أدوارها فعلياً أنها أماكن يتم فيها اغتيال عقل الإنسان وسلخه عن أدميته، ومن ثم تحويله لكائن طائفي حاقد صفيق في تعامله مع الآخر، كائن يمارس الكذب والنفاق واللؤم وإنكار الجميل في شؤونه الحياتية المختلفة، يمارس كل هذا بأريحية لا يشعر معها بتأنيب الضمير، فيخرج حينها من هذه الدُوٌّر سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً ليطبق على المجتمع ما تعلمه وتشبع به في الحوزات والحسينيات.
إن الشعب الإيراني أكثر من يدرك حقيقة أن هذه الأماكن ليست أماكن عبادة وطمأنينة وسلام أبداً، إنما أوكار أفاعٍ تلدغ أول ما تلدغ المواطن الإيراني، لهذا توجه الثوار الجياع إليها أولاً لهدمها وحرقها بحثاً عن كسرة الخبز.

إن الثورة الإيرانية اليوم ليست ثورة على نظام حكم، وليست ثورة على فساد وبطالة وفقر، إنها ثورة على هذا الدين المسخ الهجين من عدة معتقدات وعقائد وخزعبلات، ثورة على دين يلتقط الأسوأ من كل مكان ليتبناه، إنها ثورة على هذا المعتقد الذي تم بناؤه في المقام الأول على مجموعة عقد نفسية تجعل التابع له يمارس الفساد مبتسماً كونه يتقرب بالإفساد إلى الله، يتعبد الله بالكذب والجهل والغباء، ثم يلعن ويشتم كل من لا يشاركه هذا الغباء.
إن السياسي في إيران إن لم يكن ابن الحوزات والحسينيات فهو تحت وصايتها ورقابتها الدائمة، تشكله كيفما تريد، وهي لا تريد إلا كائناً مستعداً لتحويل الأرض إلى خراب.

هكذا أصبحت إيران دولة يحكمها ملالي المفترض فيهم أن يكونوا نزلاء دائمين للمصحات النفسية، فدينهم علمهم كيف يكذبون جيداً، وكيف يمارسون الدجل بشكل مفضوح، وكيف يتطرفون بشكل غبي، وكيف يقمعون من يخالفهم ويعدمونه في الشوارع ليكون عبرة أمام المارة، هؤلاء الملالي تربوا على اللطم، ومارسوه في السياسة والاقتصاد والإعلام ومختلف المجالات، يصعدون منابر الحسينيات لا للوعظ والإرشاد، إنما للكذب والافتراء، يلطمون حزناً على «آل البيت»، ويلعنون الأرض التي عاش فيها هؤلاء الأطهار، يبكون الحسين ويبصقون على المكان الذي ولد فيه، ينوحون على فاطمة ويمقتون قومها، الله في معتقدهم يقول شعراً رديئاً غير موزون في "علي بن أبي طالب"، وعلي بالنسبة لهم بشراً لكنه فوق الخلق وقريب جداً من منزلة الخالق، وفاطمة ليست بنت أبيها إنما أمه !!، ولا ميزة لأبيها إلا أن علياً ابن عمه ! .. هذه أصنامهم التي نحتوها وفق تعليمات الحوزات، تعاليم مشوهة أنتجت أصناماً مشوهة.

الحوزة والحسينية في إيران أجبرتا السياسي أن يضع في الدستور مسألة الإيمان بالولاية كشرط من شروط المواطنة، وأن يضع فيه أيضاً أمر انتظار المهدي كمادة أساسية، من يخالفها يُعدم فوراً ! .. وهذا المرشد الأعلى للثورة يجري 13 لقاءً سرياً بالمهدي قاصداً النصيحة والتوجيه، ومسؤول رفيع المستوى يصرح بأن تعيين أعضاء الحكومة لا يتم إلا بموافقة المهدي، واليوم تشهد إيران ثورة عارمة فماذا سيقول عنها أفراد هذا النظام ؟!
الأقرب أنهم سيرددون بصوتٍ واحد بأن الثوار ما خرجوا إلا لتأجيل ظهور المهدي، فهذه هي تربية الحوزات والحسينيات الإيرانية، أنها تُلمِع البهائم ومن ثم تصدرهم للتحكم في شؤون البلاد، فتكون النتيجة تخلفاً وفساداً وأفعالاً قبيحة جعلت الشعب يرى الملالي شياطين تستحق الرجم، وتستحق أن يتم حرق أوكارهم وجحورهم التي ما بنوها لعبادة الله إنما لتعلم أصول الهدم.


"السحيمي" ظالم ولكن !!


السحيمي حين تكلم عن الآذان، تكلم بحدة وإنفعال شديد وبلا سبب منطقي، وهذه جريرته، بل هذا ظلمة الذي أوقعه على نفسه قبل المجتمع، فالقضية لا تحتمل كل هذا الإنفعال الذي دفعه لأن يصف الآذان بأوصاف غير لائقة، مثلاً بأنه أمراً مفزع ومرعب ومخيف وأنه وسيلة لنشر القلق في المجتمع، ومما زاد الطين بِلة حين أردفت المذيعة بأن المشكلة أيضاً في قرب المساجد من المناطق الآهلة بالسكان، وكأن الحديث هنا عن مفاعلات نووية على وشك الإنفجار وليس عن مساجد كل قضيتها تتلخص في سوء تنظيم، وهي ليست بالقضية الكارثية أو المصيرية.

بإختصار إن مشكلة السحيمي في أسلوب عرض الفكرة لا في الفكرة ذاتها، لم يطالب بهدم المساجد على رؤوس المصلين، لم يدعوا لمنع الآذان، إنما طالب بتنظيم المسألة وهو ذات الأمر الذي دعا إليه الكثير من العلماء والمصلحين بل وسعت إليه بعض المؤسسات المعنية.

**

كوننا دولة التوحيد فهذا لا يعني أننا لسنا في دولة مدنية، والمفهومان لا يتعارضان، لكن لأن بيننا من يستصعب التنظيم فنجده يشرعن للعشوائية والفوضى، والمساجد تحديداً في الأحياء العشوائية في حاجة لإعادة تنظيم فعلاً، فلا يصح بناء المساجد بطريقة فائضة عن حاجات اهل الحي، لأن في بعض الأحياء تتزاحم المساجد لدرجة أن المسجد والآخر لا يفصل بينهما سوى 100 متر وأحياناً أقل، وكل مسجد في هذه المسافة القصيرة يتنافس مع الآخر في رفع صوت الآذان، وكأن المسألة سباق يسعى فيه كل مؤذن لأن يصل صوته لأبعد مسافة ممكنة،  كي يشهد له أكبر عدد ممكن يوم القيامة بالخير والصلاح!.
المشكلة أيضاً أن بعض المؤذنين –أثابهم الله- يُخيَل للسامع لهم أنه يستمع لأناس لازالوا يعيشون زمن الغزوات والفتوحات، فطريقتهم في الآذان توحي بأن أمراً جلل وكرباً عظيماً على أبواب الحي، وكأننا مقبلون على معركة حامية الوطيس!، مثل هؤلاء المؤذنين في حاجة ماسة لدورات مكثفة في كيفية تلحين الآذان، فالمسألة في الأخير هدفها ترقيق القلوب لا إفزاعها.

**

عموماً، موضوع الآذان وتزاحم المساجد له عدة أوجه يصعب حصرها، إنما أردت الحديث هنا عن ردة فعل المجتمع.
لماذا المجتمع شديد الإنفعال؟!، سواءً في هذه القضية أو في غيرها.
لماذا نحن قومٌ نُستثار بسرعة أمام كل القضايا تقريباً؟، فلا يكاد يتحدث شخص إلا ويوزن حديثه بميزان الحلال والحرام، الخير والشر، وغالباً ما تميل كفة الحرام والشر في ميزاننا، بمعنى أننا غالباً ما نلقي بالمتحدث وبكل حديثه في الزاوية المظلمة، سواءً كان المتحدث شيخاً أو مثقفاً، غالباً هو في عرفنا يريد بنا شراً، إن قال لا فهو الرجعي، وإن قال نعم فهو التغريبي، إن قال لها تحرري يا إمرأة فهو الماجن، وإن قال لها تستري يا أختاه فهو الظلامي، أما إن قال نظموا الآذان فهو نديم الشيطان وأنيسه.

في رأيي أن أحد أهم الأسباب التي جعلت أخلاقنا ونفسياتنا على حدِ السيف دوماً، هو صراع التيارات الطويل والممل، عقوداً والتياران (الليبرالي والإسلامي) يحاولان أن يجيشا المجتمع ضد بعضهما البعض، عقوداً وكل تيار يحاول أن يوهم المجتمع بأنه اللاعب الرئيسي على الساحة، وربما هذه هي مشكلة السحيمي، أنه لا يزال متلبساً بهذا الصراع، الأمر الذي جعله يصف مسألة تداخل أصوات الآذان بأن وراءها أيادٍ خفية، وأنها حركة صحويه تخدم أجندات معادية! (أهدى من كذا يا تنويري) المفارقة هنا أن هذا الرأي هو بالضبط الذي تبناه التيار الإسلامي قبل ما يقارب الخمسين عام، فعند بداية دخول مكبرات الصوت خرج الشيوخ من المساجد يستنكرون بل ويحرمون حتى الصلاة خلف إمامٍ يستخدم مكبرات الصوت، وحجتهم كانت أن وراء مكبرات الصوت أيادٍ تغريبيه خفية، وأنها مؤامرة تخدم أجندات معادية.

المغزى هنا أن صراع التيارات لم يتغير أبداً، لا يزال يسير بنفس العقلية، عقلية حرب الضرائر، حيث كل زوجة تحاول إقناع بعلها أنها الأجمل، وأن الأخرى هي الأقبح، في الأخير فقد بعلهن الغلبان –المجتمع- أعصابه تماماً وأصبح يثور على أتفه الأسباب.

أخطأ السحيمي ولاشك لكن الإخوة المعترضين الأعزاء ليسوا بتلك البراءة والوداعة، هم أيضاً لم يثوروا لأنهم مقتنعين بأن أصوات جميع المؤذنين كأصوات العصافير، إنما ثاروا لأنهم ببساطة وجدوا الفرصة المناسبة لضرب التيار الليبرالي فأستغلوها، وغداً سيظهر شيخاً أو داعية ليقول رأيه الشخصي في قضية هامشية وسيثور التيار الليبرالي بدوره (لا جديد تحت الشمس) هو نفس الصراع بنفس اللغة والأدوات ونفس الغباء.
هذا الدوران في هذه الدائرة المغلقة هو ما جعل المجتمع الحليم حيراناً على طول الخط، صراخ التيارات وكل هذا الزن المتواصل في محاولة إثبات كل طرف أنه الأجمل، هذا ما جعل المجتمع في الأخير مصاباً بالأرق .. بمعنى أن مجتمعنا في الحقيقة ليس متيقظاً فطِن إنما مستيقظاً بالإكراه.

فلسطين بعيداً عن ساحة الدين


ستون عاماً، مارس فيها العرب كل أشكال الصراخ والعويل والبكاء، ثم غنوا ورقصوا وألقوا القصائد نثراً وشتماً وهجاء.
ستون عاماً من التخوين والتكفير والأدلة الدامغة على العمالة والخيانة، وفي كل عامٍ من هذه الستين العِجاف يُطِل علينا مناضلاً جديد، يحمل لسانه بيدٍ وبالأخرى يشحذ قيمة هذا النضال، ومن لا يلتزم بالدفع فهو العميل إبن العميل خائن القضية!، ومجاهداً صنديد يصرخ "الموت لإسرائيل" وسيفه في نحر جاره وأخيه وعشيرته التي تؤويه.
ستون عاماً من الشعارات والمزايدات والمؤتمرات الهادفة لنصرة القضية، فما القضية؟!، القضية بإختصار أن أطول الناس لساناً وأكثرهم قدرة على الشتم والتخوين وصياغة القصائد الحماسية والجهادية، هم أسرع الناس إرتماءً في أحضان كل يهود الأرض.
ستون عاماً أفرزت في جسد الأمة دمامل إسلامية وثورجية وقومجية، دقونهم طويلة، وألسنتهم أطول، يحرضون على مواصلة النضال من بارات لندن، ويصرخون "حي على الجهاد" من فنادق باريس، ومن هناك يشتمون بأقذع الألفاظ كل من يدعوا هنا للهدوء والسلام، فلا سلام في عرف هؤلاء رغم كونهم جبناء، رافضين دوماً لكل مبادرات السلام لا وفاءً وإخلاصاً للقضية إنما لأن السلام يعني موت القضية الوحيدة التي ظلوا على مدى ستين عاماً يسترزقون منها ويملئون بطونهم، وهذه هي كل القضية، أن اليهود لو قرروا الخروج غداً من فلسطين فبعد غدٍ ستُرفع الشعارات وتقام المؤتمرات وسيبدأ نضالاً معاكس، نضال رجاء وتضرع أن يعدل اليهود عن قراره كي لا تموت القضية، فستون عاماً أوجدت بطوناً لا تعرف كيف تشبع بعيداً عن القضية.
إن "صلاح الدين الأيوبي" لم يستيقظ من نومه فجأة ليقرر أن يحمل سيفه وينادي في الطرقات "حي على الجهاد" إنما بدأ أولاً بإصلاح الأوضاع الداخلية، فأصلح النظام السياسي والقضائي والإقتصادي، حارب الفساد وحاكم الأمراء والوزراء، وأهتم بالتعليم وأنشأ المدارس، وقد ظل على هذا لـ15 عام، حول خلالها "الدولة الأيوبية" لقوة عظمى إقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وبعد كل هذا هو لم يحرر القدس في حقيقة الأمر إنما القدس أتته، فهذه المدينة المباركة كما قال أحدهم، هي الجائزة التي يهبها الله للأمة حين تتحضر وتتمدن وترتقي، وينزعها نزعاً في اللحظة التي تسارع فيها الجموع لمبايعة مرتزق أميراً للجهاد، لتبدأ حفلة زعيقاً وصراخ.
إن سِيَّر القادة الذين حرروا القدس، بدءً من "عمر بن الخطاب" حتى "صلاح الدين الأيوبي" توضح بجلاء أن الجهاد في أصله مشروع حياة وإعمار لا هدماً وموت، وأنه مسألة مدنية لا دينية، وحل القضية الفلسطينية اليوم أن يتم إبعادها عن ساحة الدين لتدخل ساحة المدنية، أن ينشغل أبناء فلسطين بتنمية دولتهم وتحويلها لدولة قوية، أن يحاربوا الفساد بينهم، فإن لم يكن هذا ممكناً فالحل أن يجاوروا دولاً عربية قوية في كل النواحي، دولاً لها ثقلها على مستوى العالم ليستندوا عليها، ولا أزعم هنا أن قادة "السعودية والإمارات" غايتهم اليوم تحرير القدس، رغم أن هذه أمنية كل مسلم، لكن إنشغال هؤلاء القادة بتنمية أوطانهم وتحويل دولهم لدول قوية في كل النواحي، هذا الأمر بشكل أو بآخر سيصب في صالح قضية فلسطين.
مدينة المريخ أو المدينة الفضائية الإماراتية، نيوم السعودية، متحف اللوفر، مبادرة القراءة العربية التي اطلقتها دبي، شراكة أرامكوا وجوجل لبناء مدينة تكنولوجية في السعودية، كل هذا وأكثر هو أدوات اللعبة اليوم، هذا هو الجهاد الفعلي، الجهاد في ساحة المدنية والتنمية والعلم، لا جهاد الرشاشات والقنابل والإختباء في جبال أفغانستان، فالجهاد مشروع مدني لا ديني، مشروع إعمار لا هدم، من هنا علينا أن نعي بأن لا علاقة لـ"حزب الله" بالجهاد، ولا "جيش القدس" ولا حتى "حماس"، لا علاقة للإخوان بالجهاد، ولا لكل الثورجية والقومجية، والقدس في عقيدة ملالي طهران مقرها السماء، والنجف أشرف، أما حضرة "جناب السلطان" فالقدس وكامل فلسطين بالنسبة له مجرد أدوات لتحقيق مصلحة، هؤلاء يسعون للهدم، والجهاد بناء!.
الجهاد أن تبني الأمة ذاتها وأن تستخدم في هذا البناء كل الأدوات المتوفرة، والقدس مدينة الجميع، ليست مِلكاً لأتباع دين على حساب ديناً آخر، هي مكاناً للكل ويستوعب الكل وهذا ما لا يستوعبه المتعصبين، هي أرض السلام وهذا ما لا يريده مصاصي الدماء، هي أرضاً يملكها الأكثر تقدماً وتحضراً وقوة وأرقى ثقافةً وعلم، وهي التي تنساب دوماً من بين يدي الأكثر تخلفاً وإنحطاط، كأن الله أوجدها لتعرف كل أمة موقعها من الإعراب، بهذا فاليهود لم يحتلوا القدس إنما استحقوها حين امتلكوا أدوات إستحقاقها، وأدواتها العلم والتنمية، بالتالي فكان من الطبيعي أن تنساب من بين يدي المسلمين حين تفرغوا تماماً لجهاد السيف والصراخ حتى دمروا أوطانهم، وشوهوا أفكارهم إلا أن أصبحوا ينظرون لكل يساهم في الهدم أنه المجاهد الأمين، وينعتون كل من يبني أنه الخائن.
لقد ردد "أحمد ديدات" في مناظرته التي حملت عنوان "العرب وإسرائيل، شقاقٌ أم وفاق" مراراً وتكراراً: بالسلام، هنالك أمل، وطبعاً وقتها شنّع عليه مصاصي الدماء الأفاضل كثيراً، واليوم يعود مصاصي الدماء ليشنعوا على "محمد بن سلمان" لأنه قال: أنا متفائل، بالسلام. ولا مجال أبداً لأي عملية بناء إلا بالسلام. لا السلام المؤقت إنما السلام عن قناعة بأن القدس للجميع، وأنها هدية من يستحق في الأخير، والسلام.