‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسية. إظهار كافة الرسائل

الخلافة وهم والحقيقة وطن



بدأ الأمر بنبوة ثم خلافة على منهاج النبوة، تلاها مُلكاً عضوضاً بدأ بـ(معاوية بن أبي سفيان) مؤسس الدولة الأموية، وانتهى بـ(عبدالمجيد الثاني) آخر سلاطين الدولة العثمانية، واستمر هذا المُلك ما شاء الله له أن يستمر، ثم جاءت الفترة التي لازلنا نعيشها، فترة المُلك الجبري، وستستمر ما شاء الله لها أن تستمر، ثم ستعقبها خلافة على منهاج النبوة التي من أولى دلالاتها أن يخسف الله بجيشٍ كامل، وتراق الدماء في كل مكان !!

حسنا، لو تأملنا في هذا التقسيم فسنجد أنفسنا أمام العديد من الإشكالات، أبرزها أنها تجعل عقل المسلم في حالة رفض دائم للواقع الذي يعيشه، مهما كان هذا الواقع هادئا وكان المسلم فيه مرتاح البال، إلا أنه سيرفضه رفضا قاطعا، لا لشيء إلا لأن الرفض هنا عبادة !.

ما طبيعة ذلك الواقع الذي عاشه النبي ؟! .. ما أبرز سمات فترة الخلافة على منهاج النبوة ؟! .. ما طبيعة الحكم الذي يمكن القول إنه على منهاج النبوة ؟!
الإجابة عن مثل هذه الأسئلة دائما لها اتجاهان، الاتجاه الأول عقلاني بلا توهمات، أما الثاني فمبني بالكامل على توهمات، وكلا الاتجاهين مترابطان، بمعنى أن من العقلانية دوما أن يقول الإنسان لجموع المتوهمين، كفى، فما عاش النبي -عليه الصلاة والسلام- في مدينة أفلاطونية متوهمة بالكامل، إنما عاش واقعا فيه من المنغصات ما الله به عليم، وهذا هو منهاج النبوة، أن يعيش الإنسان واقعه ويحاول إزالة ما فيه من منغصات لا أن يرفض الواقع ويعيش مستقبلاً مبني على أوهام، المدينة الفاضلة دائماً هي الموجودة الآن لا تلك الموجودة في الرؤى والمنامات.

منهاج النبوة أن يعيش الإنسان في الواقع لا في الخيال، لأن العيش في الواقع أولى خطوات الإصلاح والبدء في التحسين، أما الهرب من الواقع والذهاب لعالم افتراضي لم ولن يوجد أبداً، فهذا سيراً معاكساً تماما لمنهاج النبوة، لم يحدث أن عاش النبي والصحابة (أبو بكر وعمر وعثمان وعلي) حياة هانئة مسالمة عمّ فيها الخير والسلام أرجاء المعمورة، بل عاشوا صراعاتاً وحروباً، وتواجد بينهم المنافقون والحاقدون، وظهر في زمانهم الخوارج، وحدثت فتناً عظيمة لم تهدأ أبدا، لقد عاشوا حرفيا على فوهة بركان ثائر لم يهدأ يوما، ولم ينجحوا أبدا في إخماده إلا أنهم لم يتوقفوا أبدا عن العمل المتواصل على إخماده، وهذه ميزتهم، أنهم كانوا في سعياً دائم لإصلاح الواقع قدر المستطاع.

الآن، لو قلت إننا نعيش فترة حُكم على منهاج النبوة لقالوا هذا ينافق، لأن القائلين يفترضون بأن «منهاج النبوة» عبارة عن شيئاً ما كان الجميع فيه سعداء مطمئنين، وأنه لم يكن يوجد في تلك الفترة فساداً ولا إفساد ولا نقضاً للعهود ولا ردة ولا أنبياءً كذبة، يفترضون بأن الطير كان يبيت في جحر الأفعى، وأن الحمل الوديع رقص مع الذئاب، وأنه لم توجد سرقة وتعدٍّ على الحقوق وصراعات دموية على السلطة.
كل هذه فرضيات لا أساس لها من الصحة، فما الضير أن ننظر لواقعنا، بل ونؤمن عن قناعة بأننا اليوم نسير على منهاج النبوة ؟، فلا قهراً بيِّن هنا، ولا ظُلماً صريح، ولا هي شيوعية أو نازية والدول العربية أبداً ليست طائفية أو دموية، صحيح يوجد فساداً ومحسوبية، وفقراً وبطالة، لكن من قال إن مثل هذه المنغصات لم تكن موجودة فترة الخلافة على منهاج النبوة ؟!.

تسعة وعشرون عاما حكم خلالها الخلفاء الأربعة، هذا هو عمر الواقع الافتراضي الذي لم يوجد أبدا، ثم يراد لنا أن نؤمن بأن ما لم يحدث بالأمس أنه حتماً سيحدث غدا ! .. ولو سألنا أحدهم: ما الذي سيحدث غدا ؟! لقالوا: سيحدث غدا ما حدث بالأمس، عدلاً وإخاءً وسلام، ونوراً إيمانياً يُضيء ما بين الأرض والسماء .. حسنا، أين حدثت هذه الأشياء ومتى بالضبط، فهذا كتاب التاريخ خذوه واقرأوه مرة ثم أعيدوا القراءة مرتين، بعدها حددوا لنا بالضبط رقم الصفحة التي حدثت فيها كل هذه الأوهام !!.
الصحابة بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- ساروا على نهجه، ونهجه أن يواجه الإنسان واقعه ويسعى دوما لتحسينه، نهجه أن يصحح المجتمع مساراته بشكل متواصل مع تقبل الجميع لفكرة أنهم مجتمع بشري ناقص معيب على الدوام، الصحابة بعد موت النبي تقاتلوا على السلطة، وانتقد بعضهم البعض، وأعرض بعضهم عن بعض، وانتهى الأمر بسفك دم عثمان والخروج على علي ثأرا لعثمان، والقول بهذا ليس استنقاصا منهم، إنما للتأكيد على أن المسألة برمتها تحولت  بعد موت النبي لبشرية بامتياز.

1400 عام هو عُمر رفض المسلمين التام للواقع، وهمٌ عام تم زرعه في عقل المسلم لا لشيء إلا ليلعن يومه، ويبقى في حالة سخط دائم على الحاضر، والساخط إنسان مأزوم، يبحث عن حل فلا يجده إلا عند حكواتيه لا يفقهون في الواقع ومشاكله شيئاً.

علينا أن ندرك أننا بشر، ما يعني أن الدنيا أمامنا أمواج متلاطمة، ولا بر أمان إنما سيراً متواصلاً في هذه التلاطمات، ولا حل هنا إلا بركوب سفينة قوية متماسكة، والسفينة هي الوطن، والوطن هو الحقيقة الوحيدة، أما الخلافة فمجرد وهم يراد منا أن نركبه لنصل لبر أمان لا وجود له، ثم يراد منا لضمان الوصول للسراب أن نخرق السفينة، أن نلعن الحقيقة !!.

هدم الحوزات العلمية



الثورات العربية في تونس ومصر واليمن وسورية، إما أنها خرجت من المساجد أو احتمت بها في الأيام والشهور الأولى للثورة، وفي كل هذه الثورات كان الثوار يتجهون أولاً لمواطن الخلل الرئيسية، للإدارات الحكومية وأقسام الشرطة ومقرات الحكم والمحاكم، ثم يعودون مرةً أخرى للمساجد للتزود روحياً ومعنوياً ولترتيب أمورهم.
أما في إيران التي تعيش هذه الأيام أجواء ثورة عارمة فالعكس تماماً هو ما يحدث، الثوار في إيران لم يتجهوا لمقرات الحكم ولا لأقسام الشرطة، إنما اتجهوا إلى الحوزات العلمية والحسينيات، حرَّقوا هذه وهدَّموا تلك ! .. إن الثوار في إيران "جياع" مع هذا لم يتجهوا للمخابز والمطاعم، إنما للأوكار التي حرمتهم لقمة العيش، للحوزات العلمية والحسينيات !.

إن دور العبادة في الدول العربية التي قامت فيها الثورات قد اعتبرها الثوار مصدر أمان وطمأنينة وسلام، المساجد وحتى الكنائس بالنسبة لهم أماكن حماية وبحثاً عن حلول، بينما في إيران وبشهادة خط سير الثوار فالحسينيات والحوزات العلمية هي مصدر القلق والاضطراب، هي أماكن تصدير كل المشاكل الاجتماعية، بمعنى أن الفقر والبطالة والفساد وغياب العدالة الاجتماعية والكثير من المشاكل الاجتماعية خرجت من الحوزات العلمية والحسينيات لمقرات الحكم والإدارات الحكومية وأقسام الشرطة لا العكس.
فما الذي جنته الحسينيات والحوزات العلمية حتى أصبحت الوجهة الأولى للثوار في إيران ؟
في البداية، الحسينيات والحوزات العلمية الإيرانية ليست فقط دُوُّر عِبَادة وأماكن لتلقي العلم الشرعي، المسألة ليست بهذه البراءة أبداً، بل إن مهمتها الأسمى وربما الوحيدة أن تصنع وتنتج سياسيين واقتصاديين وإعلاميين وعسكر ثم تصدرهم للمجتمع، وبعد التصدير تبدأ مرحلة مراقبة عمل هؤلاء وتوجيههم والحرص على عدم تجاوزهم للخطوط الشيعية الجعفرية الحمراء التي تم رسمها داخل الحسينيات والحوزات بعناية .. أي إن الحوزات والحسينيات هي المتحكم الفعلي في مؤسسات الدولة المختلفة، أو بمعنى أدق هي حكومة الظل أو الدولة العميقة المتحكمة في الحريات الفكرية والإعلامية وفي السلوك الاجتماعي العام، كذلك في الاقتصاد ونظام الحكم وحتى في تجارة المخدرات.
إلا أن ما سبق ليس أخطر أدوار الحوزات والحسينيات الإيرانية، فأخطر أدوارها فعلياً أنها أماكن يتم فيها اغتيال عقل الإنسان وسلخه عن أدميته، ومن ثم تحويله لكائن طائفي حاقد صفيق في تعامله مع الآخر، كائن يمارس الكذب والنفاق واللؤم وإنكار الجميل في شؤونه الحياتية المختلفة، يمارس كل هذا بأريحية لا يشعر معها بتأنيب الضمير، فيخرج حينها من هذه الدُوٌّر سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً ليطبق على المجتمع ما تعلمه وتشبع به في الحوزات والحسينيات.
إن الشعب الإيراني أكثر من يدرك حقيقة أن هذه الأماكن ليست أماكن عبادة وطمأنينة وسلام أبداً، إنما أوكار أفاعٍ تلدغ أول ما تلدغ المواطن الإيراني، لهذا توجه الثوار الجياع إليها أولاً لهدمها وحرقها بحثاً عن كسرة الخبز.

إن الثورة الإيرانية اليوم ليست ثورة على نظام حكم، وليست ثورة على فساد وبطالة وفقر، إنها ثورة على هذا الدين المسخ الهجين من عدة معتقدات وعقائد وخزعبلات، ثورة على دين يلتقط الأسوأ من كل مكان ليتبناه، إنها ثورة على هذا المعتقد الذي تم بناؤه في المقام الأول على مجموعة عقد نفسية تجعل التابع له يمارس الفساد مبتسماً كونه يتقرب بالإفساد إلى الله، يتعبد الله بالكذب والجهل والغباء، ثم يلعن ويشتم كل من لا يشاركه هذا الغباء.
إن السياسي في إيران إن لم يكن ابن الحوزات والحسينيات فهو تحت وصايتها ورقابتها الدائمة، تشكله كيفما تريد، وهي لا تريد إلا كائناً مستعداً لتحويل الأرض إلى خراب.

هكذا أصبحت إيران دولة يحكمها ملالي المفترض فيهم أن يكونوا نزلاء دائمين للمصحات النفسية، فدينهم علمهم كيف يكذبون جيداً، وكيف يمارسون الدجل بشكل مفضوح، وكيف يتطرفون بشكل غبي، وكيف يقمعون من يخالفهم ويعدمونه في الشوارع ليكون عبرة أمام المارة، هؤلاء الملالي تربوا على اللطم، ومارسوه في السياسة والاقتصاد والإعلام ومختلف المجالات، يصعدون منابر الحسينيات لا للوعظ والإرشاد، إنما للكذب والافتراء، يلطمون حزناً على «آل البيت»، ويلعنون الأرض التي عاش فيها هؤلاء الأطهار، يبكون الحسين ويبصقون على المكان الذي ولد فيه، ينوحون على فاطمة ويمقتون قومها، الله في معتقدهم يقول شعراً رديئاً غير موزون في "علي بن أبي طالب"، وعلي بالنسبة لهم بشراً لكنه فوق الخلق وقريب جداً من منزلة الخالق، وفاطمة ليست بنت أبيها إنما أمه !!، ولا ميزة لأبيها إلا أن علياً ابن عمه ! .. هذه أصنامهم التي نحتوها وفق تعليمات الحوزات، تعاليم مشوهة أنتجت أصناماً مشوهة.

الحوزة والحسينية في إيران أجبرتا السياسي أن يضع في الدستور مسألة الإيمان بالولاية كشرط من شروط المواطنة، وأن يضع فيه أيضاً أمر انتظار المهدي كمادة أساسية، من يخالفها يُعدم فوراً ! .. وهذا المرشد الأعلى للثورة يجري 13 لقاءً سرياً بالمهدي قاصداً النصيحة والتوجيه، ومسؤول رفيع المستوى يصرح بأن تعيين أعضاء الحكومة لا يتم إلا بموافقة المهدي، واليوم تشهد إيران ثورة عارمة فماذا سيقول عنها أفراد هذا النظام ؟!
الأقرب أنهم سيرددون بصوتٍ واحد بأن الثوار ما خرجوا إلا لتأجيل ظهور المهدي، فهذه هي تربية الحوزات والحسينيات الإيرانية، أنها تُلمِع البهائم ومن ثم تصدرهم للتحكم في شؤون البلاد، فتكون النتيجة تخلفاً وفساداً وأفعالاً قبيحة جعلت الشعب يرى الملالي شياطين تستحق الرجم، وتستحق أن يتم حرق أوكارهم وجحورهم التي ما بنوها لعبادة الله إنما لتعلم أصول الهدم.


جولة في حساب البلدوزر القطري




قبل البدء بهذه الجولة في الحساب التويتري الخاص بـ(حمد بن جاسم) @hamadjjalthani
لابد وأن ندرك بأن مجرد دخول شخصية بهذا الوزن في مواقع التواصل، دليلاً على أن القيادة القطرية قد خسرت معركتها تماماً في هذا العالم الإفتراضي، وسبب الخسارة يتضح إذا علمنا بأن المسئولين في قطر ينظرون لهذا الشخص أنه الحكيم، الرصين، ذو الرأي السديد وأنه الداهية المحنك، أو كما يُلقب في قطر بـ(بلدوزر السياسة القطرية).
السؤال هنا: ما الذي يجبر القيادة القطرية أن تستخدم هذا البلدوزر أو هذه الأداة الثقيلة إن لم تكن كل أدواتها الأخرى قد تكسرت تماماً، إن لم يكن كل جيشها الإعلامي والسياسي قد بات جيشاً عارياً بلا قيمة ؟ .. من هنا يمكن القول أن "حمد بن جاسم" بمثابة طوق النجاة المثقوب.

الآن، ما الذي يحتويه حساب هذا الرجل ؟!.
في البدء (حمد بن جاسم) يقدم نفسه في تويتر أنه داعية محبة وسلام وإخاء، وأنه الإنسان الذي عاش لخدمة الإسلام وقضايا المسلمين، وهذا الزعم منه في الحقيقة يعتبر دليلاً على وجود عِلة نفسية قد تمكنت منه، عِلة يمكن توضيحها بالقول أن الإنسان الذي يداوم على إرتكاب أنواعاً مختلفة من الجرائم ثم يبدأ وبشكل مفاجئ في الإعتقاد بل والإقتناع التام بأنه من أهل الخير والصلاح، فهذا الإعتقاد خلفه عِلل نفسها معقدة أبسطها هو كي يستطيع المجرم أن ينام في الأخير وهو مرتاح البال، كي يهنأ بليلة لا أرق فيها .. و(حمد بن جاسم) ظل طيلة العشرين عاماً الماضية يمارس أنواعاً مختلفة من الجرائم، سواءً بشكل منفرد أو بمعاونة باقي أعضاء التنظيم، جرائماً كالخداع والخيانة وحياكة المؤامرات، بالإضافة لتقديم الدعم المالي والسلاح للجماعات المتطرفة، وغير هذه الجرائم الشيء الكثير، لهذا نقول بأن ظهوره كداعية محبة وسلام، سببه عِلة نفسية تمنعه من النوم، فيدعي المثالية حينها كي يستطيع أن ينام بلا أرق وقلق وتفكير في الماضي المظلم.

***

أما ثاني أبرز علل الرجل النفسية، أننا نجده يغرد تارة بشخصية (الأم تريزا) فيتحدث عن السلام والتسامح والإخاء، حتى ليظن المتابع أنه سيختتم حديثه بالقول: إنما بعثت فيكم لأتمم مكارم الأخلاق، ثم وبعد هذا الحديث الإنساني الجميل نجده يتحول فجأة لشخصية (غانم الدوسري) فيشتم ويطعن ويشكك ويوزع الإتهامات على قادة الخليج، ويتحدث عن جيوش إفتراضية وذباب إلكتروني مدعوم من حكومات خليجية أهملت شعوبها ودمرت أوطانها وتفرغت فقط لمحاربة قطر.
هنا تجدر الإشارة بأن هذه القدرة العجيبة على التنقل بين شخصيات عديدة تسمى في علم النفس بـ(إضطراب تعدد الشخصيات) وهذا الإضطراب هو مرض يصيب الإنسان فيحول جسده لمسكن أو فندق تعيش فيه عِدة شخصيات، حيث كل شخصية تعيش في عالمها الخاص ولا تعلم شيئاً عن باقي الشخصيات، وكدلالة على أن الرجل مصاب بهذا الإضطراب فعلاً، نجده يتحول في بعض التغريدات لشخصية (علي الطنطاوي) ويبداً في توجيه النصائح المطعمة بالآيات والأحاديث عن وجوب تلاحم أهل الخليج.

***

هذه لمحات عن العِلل النفسية التي يمر بها هذا البلدوزر.
أما عن العِلل العقلية فنجدها تتجلى في رأيه الذي أدلى به عن العلاقات الإسرائيلية العربية، فالرجل يرى أن جسور التواصل ما بين قطر وإسرائيل مسألة لا إشكال فيها أبداً كونها عملية تتم بالكامل في العلن، أي أن المسألة ليست رذيلة إلا إن كانت في السر والخفاء كما تفعل –على حد زعمه- دول الخليج.
العِلة العقلية هنا أن هذا الرأي لا يحتوي على مغالطة منطقية إنما يهتك المنطق هتكاً، كون المنطق في هذا الرأي لا يختلف كثيراً عن منطق فتاة هوى تبيع جسدها على الرصيف وأمام الجميع، فإن نصحها الناس بتقوى الله، فوراً تقول: أنا وإن كنت أرتكب حراماً صريحاً إلا أنه لا عيب أبداً فيما أفعل وأمارس، وعذرها الذي حولت به الرذيلة لفضيلة هو أنها تبيع جسدها في العلن وعلى الرصيف!.

***

أما أبرز النقاط التي تحدث عنها (حمد بن جاسم) مغرداً، حين تحدث عن القضية الفلسطينية، والحقيقة أن هذا النوع من الأحاديث بات شيئاً مملاً لأبعد الحدود، فالرجل لا يزال يقتات على الشعارات والمزايدات التي ما عاد لها وزن، كيف أن القدس عروس عروبتكم، وأنه لا يجوز أبداً التفريط في هذه الأرض المباركة، وأن التاريخ لن يرحم كل من "خان الكظية" !.
الناس يا معالي البلدوزر ما عادت تقيم لهذه البكائيات وزناً، إنما يتم وزن الأمور اليوم بما هو موجود على أرض الواقع، وعلى أرض الواقع نجد قطر هي التي وقفت عائقاً أمام كل محاولات توحيد القيادات الفلسطينية، وهي التي طعنت مبادرة السلام العربية، والكثير الكثير من الأوساخ التي خلفتها قطر على أرض الواقع، ثم تأتي يا معالي البلدوزر لتذرف الدموع، ظناً أن الدموع فعلاً قادرة على غسل آثاماً بهذا الوزن.


***

في الختام، لا يسعنا إلا ترديد عبارة (الحمد لله)
الحمد لله على إقتناع "حمد بن جاسم" أخيراً أن يقوم بإنشاء حساب خاص به في تويتر، كي يتعرف العالم وبشكل مباشر على طبيعة العِلل العقلية والنفسية التي ظلت القيادات الخليجية تتعامل معها لأكثر من عشرين عام.

"جاكيت السيسي" والحرب القذرة



الحرب ضد الحوثي في اليمن، وحرب الجيش المصري ضد الإرهاب، ومواجهة الخلايا النائمة وتلك النشطة هنا وهناك، كل هذا لا يُعد شيئاً يُذكر أمام الحرب التي يواجهها المواطن في الخليج ومصر تحديداً، فالجيوش يمكن مواجهتها، والخلايا الإرهابية يمكن تحجيم خطرها، لكن الحرب التي تمولها وترعاها (دويلة قطر) وتجند لها كل المرتزقة، هذه هي الحرب الأخطر، كونها حرباً لا تستهدف أرض الخصم إنما عقله والسيطرة على روحه، فإذا ما تم إحتلال عقل الخصم فسيتكفل هو بالباقي، سيبدأ في إطلاق النار في كل إتجاه، وأينما اتجه فلن يصيب إلا أهله ومجتمعه وقادته وعلمائه، هؤلاء العلماء الأجلاء الذين يُصِر الإعلام القطري والإخونجية على وصفهم دوماً بعلماء السلطان للحط من قيمتهم قدر المستطاع.

بالمختصر، إن غاية هذه الحرب أن يمقت الإنسان أخيه وجاره وجيشه وحكومته وعلماءه، أن يكره كل شيء ويفقد الأمل في كل شيء ويحقد على كل شيء، وحين يصل الإنسان لهذا المستوى من اليأس سيصبح جندياً في جيش عدوه ويبدأ في تدمير كل ما يحب.
إنها حرباً هدفها تحطيم معنويات المواطن، وحرق أعصابه قدر المستطاع.
أدوات هذه الحرب هي الإشاعات وعمليات التزوير والتلفيق والكذب والتضليل ولي أعناق الحقائق كلها، حرباً عمادها السفالة والفحش والفسوق، جنودها مدربون على التخلص من كل القيم والأخلاق، جنوداً إن لم يجدوا على خصمهم مستمسك فلا أسهل لديهم من الخوض في الشرف والأعراض والإستهزاء بلون هذا الخصم ونسبه ومهنته، هذا ملعبهم وهذه أدواتهم التي تمولها دويلة قطر ويرعاها الإخوان.

في الأيام الماضية زار الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" أحد مقرات تدريب الجيش المصري، وكان يرتدي أثناء الزيارة "جاكيت أسود" إلى هنا والموضوع بسيط جداً ولا شيء فيه يدعوا للإنتباه، إلا أن هذا الموضوع البسيط والروتيني جداً قد حوله الإخونجية والإعلام القطري لقصة وفلم هندي.
القصة أو الفلم أنهم اخذوا صورة "جاكيت السيسي" وبالفوتوشوب وضعوا عليها علامة لماركة مشهورة، ثم أخذوا صورة من موقع الأمازون لجاكيت عليه نفس هذه العلامة وسعره 700دولار، ثم جمعوا الصورتين ونشروهما في كل مواقع التواصل، كل هذا فقط لكي يقولوا للشعب المصري: ها هو رئيسكم الذي يجبركم على التقشف، يشتري الجاكيت فقط بـ700دولار !.
طبعاً الرسالة المبطنة هنا والتي يريد الإخونجية والإعلام القطري إيصالها للشعب المصري هي (ما خفي أعظم) وهذا هو إحتلال عقل الخصم، أن تعطيه معلومة بسيطة وإن كانت ملفقة ثم تجعله يبني فرضيات كثيرة إلى أن يكره الواقع الذي يعيشه.

"جاكيت السيسي" يوضح لنا تماماً أننا أمام عدواً لا يغض الطرف أبداً حتى عن مثل هذه الأشياء البسيطة جداً، أننا أمام عدواً قد مسخه الله وكتبه كذاباً وانتهى الأمر، عدواً يكذب ثم يكذب إلى أن أصبح الصدق في عرفه رذيلة، وطبعاً قائمة الأكاذيب والإشاعات التي روج ولا زال يروج لها الإعلام القطري والإخونجية، قائمة طويلة لا تنتهي، من أبرز هذه الأكاذيب التي يعتنقها هؤلاء ويروجون لها ألف مرة في اليوم، هو موضوع (صفقة القرن) وكيف أن القادة في السعودية والإمارات ومصر اتفقوا على ضرورة تهويد فلسطين بالكامل وترحيل كل فلسطيني لسيناء المصرية مع إجبار القيادة الفلسطينية على بيع القدس لإسرائيل بلا ثمن، وطبعاً في الموضوع تفاصيلاً كثيرة كلها بالمجمل كلام فاضي.
الإعلام القطري يتبنى هذا الغباء ويروج له بإستمرار ليزرع وهماً في نفسية المواطن الخليجي والمصري بأن قادته يعملون على تدمير الأمة، وكأن قاعدة العيديد في الرياض والمكتب الدبلوماسي الإسرائيلي في دبي وليس في الدوحة.

يمكن القول بأريحية أن الكذب عند الإخوان عقيدة، وأن الخداع لدى "الحمدين" مبدأ أساسي من مبادئ الحكم، يكذبون حتى وإن صدقوا، ويخدعون حتى في ملامحهم، يعيبون غيرهم بما هو عيبٌ فيهم، ويلصقون على الأخرين كل صفاتهم القبيحة.
يزورهم رئيس الوزراء الإسرائيلي "بيريز" علناً في زيارة مسجلة بالصوت والصورة، ويزورون إسرائيل بشكل دوري علني، ثم ينشرون في الأجواء إشاعات بأن ولي العهد "محمد بن سلمان" زار إسرائيل سراً وبشكل مستعجل استغرق سويعات قليلة أنهى فيها كل القضايا العالقة منذ ستين عاماً!، ودليلهم الوحيد على هذا أنهم هم الذين قالوه وأنهم رددوا أكاذيبهم ألف مرة، متأملين ان يتحول الموضوع بكثرة الترديد لحقيقة مؤكدة.


لكن، رغم كل هذا النهيق الهستيري المزعج والمتواصل، لابد وأن ننظر للأمر من زاوية أخرى، من زاوية أن الحِمار كائن لا يتحرك إلا بالضرب، فإن تحرك، تحرك منزعجاً من هذا الضرب وأخذ ينهق بشكل متواصل، لكن على الرغم من إنزعاجه وكل هذا النهيق المتواصل إلا أنه لا يتوقف أبداً عن الحركة ولا حتى ينحرف عن مساره المحدد له، و(عاصفة الحزم) هي مشروع الهدف منه ضرب كل هؤلاء الذين فعلاً تحركوا بعدها، بل وتحركوا وهم منزعجين وينهقون بشكل هستيري متواصل، إلا أن كل هذا لا يهم طالما لا يزالون محافظين على سيرتهم ولم يتوقفوا عن الحركة أو حتى ينحرفوا عن مسارهم المحدد لهم، هذا المسار قد حددته سنن الله في حياة الأمم، بمعنى أن التاريخ قد حدد لكل هؤلاء مساراً واحداً لم يحدث حتى الآن أن إنحرف عنه أحد وبالتالي تجنب السقوط في مزبلة التاريخ.

فلسطين بعيداً عن ساحة الدين


ستون عاماً، مارس فيها العرب كل أشكال الصراخ والعويل والبكاء، ثم غنوا ورقصوا وألقوا القصائد نثراً وشتماً وهجاء.
ستون عاماً من التخوين والتكفير والأدلة الدامغة على العمالة والخيانة، وفي كل عامٍ من هذه الستين العِجاف يُطِل علينا مناضلاً جديد، يحمل لسانه بيدٍ وبالأخرى يشحذ قيمة هذا النضال، ومن لا يلتزم بالدفع فهو العميل إبن العميل خائن القضية!، ومجاهداً صنديد يصرخ "الموت لإسرائيل" وسيفه في نحر جاره وأخيه وعشيرته التي تؤويه.
ستون عاماً من الشعارات والمزايدات والمؤتمرات الهادفة لنصرة القضية، فما القضية؟!، القضية بإختصار أن أطول الناس لساناً وأكثرهم قدرة على الشتم والتخوين وصياغة القصائد الحماسية والجهادية، هم أسرع الناس إرتماءً في أحضان كل يهود الأرض.
ستون عاماً أفرزت في جسد الأمة دمامل إسلامية وثورجية وقومجية، دقونهم طويلة، وألسنتهم أطول، يحرضون على مواصلة النضال من بارات لندن، ويصرخون "حي على الجهاد" من فنادق باريس، ومن هناك يشتمون بأقذع الألفاظ كل من يدعوا هنا للهدوء والسلام، فلا سلام في عرف هؤلاء رغم كونهم جبناء، رافضين دوماً لكل مبادرات السلام لا وفاءً وإخلاصاً للقضية إنما لأن السلام يعني موت القضية الوحيدة التي ظلوا على مدى ستين عاماً يسترزقون منها ويملئون بطونهم، وهذه هي كل القضية، أن اليهود لو قرروا الخروج غداً من فلسطين فبعد غدٍ ستُرفع الشعارات وتقام المؤتمرات وسيبدأ نضالاً معاكس، نضال رجاء وتضرع أن يعدل اليهود عن قراره كي لا تموت القضية، فستون عاماً أوجدت بطوناً لا تعرف كيف تشبع بعيداً عن القضية.
إن "صلاح الدين الأيوبي" لم يستيقظ من نومه فجأة ليقرر أن يحمل سيفه وينادي في الطرقات "حي على الجهاد" إنما بدأ أولاً بإصلاح الأوضاع الداخلية، فأصلح النظام السياسي والقضائي والإقتصادي، حارب الفساد وحاكم الأمراء والوزراء، وأهتم بالتعليم وأنشأ المدارس، وقد ظل على هذا لـ15 عام، حول خلالها "الدولة الأيوبية" لقوة عظمى إقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، وبعد كل هذا هو لم يحرر القدس في حقيقة الأمر إنما القدس أتته، فهذه المدينة المباركة كما قال أحدهم، هي الجائزة التي يهبها الله للأمة حين تتحضر وتتمدن وترتقي، وينزعها نزعاً في اللحظة التي تسارع فيها الجموع لمبايعة مرتزق أميراً للجهاد، لتبدأ حفلة زعيقاً وصراخ.
إن سِيَّر القادة الذين حرروا القدس، بدءً من "عمر بن الخطاب" حتى "صلاح الدين الأيوبي" توضح بجلاء أن الجهاد في أصله مشروع حياة وإعمار لا هدماً وموت، وأنه مسألة مدنية لا دينية، وحل القضية الفلسطينية اليوم أن يتم إبعادها عن ساحة الدين لتدخل ساحة المدنية، أن ينشغل أبناء فلسطين بتنمية دولتهم وتحويلها لدولة قوية، أن يحاربوا الفساد بينهم، فإن لم يكن هذا ممكناً فالحل أن يجاوروا دولاً عربية قوية في كل النواحي، دولاً لها ثقلها على مستوى العالم ليستندوا عليها، ولا أزعم هنا أن قادة "السعودية والإمارات" غايتهم اليوم تحرير القدس، رغم أن هذه أمنية كل مسلم، لكن إنشغال هؤلاء القادة بتنمية أوطانهم وتحويل دولهم لدول قوية في كل النواحي، هذا الأمر بشكل أو بآخر سيصب في صالح قضية فلسطين.
مدينة المريخ أو المدينة الفضائية الإماراتية، نيوم السعودية، متحف اللوفر، مبادرة القراءة العربية التي اطلقتها دبي، شراكة أرامكوا وجوجل لبناء مدينة تكنولوجية في السعودية، كل هذا وأكثر هو أدوات اللعبة اليوم، هذا هو الجهاد الفعلي، الجهاد في ساحة المدنية والتنمية والعلم، لا جهاد الرشاشات والقنابل والإختباء في جبال أفغانستان، فالجهاد مشروع مدني لا ديني، مشروع إعمار لا هدم، من هنا علينا أن نعي بأن لا علاقة لـ"حزب الله" بالجهاد، ولا "جيش القدس" ولا حتى "حماس"، لا علاقة للإخوان بالجهاد، ولا لكل الثورجية والقومجية، والقدس في عقيدة ملالي طهران مقرها السماء، والنجف أشرف، أما حضرة "جناب السلطان" فالقدس وكامل فلسطين بالنسبة له مجرد أدوات لتحقيق مصلحة، هؤلاء يسعون للهدم، والجهاد بناء!.
الجهاد أن تبني الأمة ذاتها وأن تستخدم في هذا البناء كل الأدوات المتوفرة، والقدس مدينة الجميع، ليست مِلكاً لأتباع دين على حساب ديناً آخر، هي مكاناً للكل ويستوعب الكل وهذا ما لا يستوعبه المتعصبين، هي أرض السلام وهذا ما لا يريده مصاصي الدماء، هي أرضاً يملكها الأكثر تقدماً وتحضراً وقوة وأرقى ثقافةً وعلم، وهي التي تنساب دوماً من بين يدي الأكثر تخلفاً وإنحطاط، كأن الله أوجدها لتعرف كل أمة موقعها من الإعراب، بهذا فاليهود لم يحتلوا القدس إنما استحقوها حين امتلكوا أدوات إستحقاقها، وأدواتها العلم والتنمية، بالتالي فكان من الطبيعي أن تنساب من بين يدي المسلمين حين تفرغوا تماماً لجهاد السيف والصراخ حتى دمروا أوطانهم، وشوهوا أفكارهم إلا أن أصبحوا ينظرون لكل يساهم في الهدم أنه المجاهد الأمين، وينعتون كل من يبني أنه الخائن.
لقد ردد "أحمد ديدات" في مناظرته التي حملت عنوان "العرب وإسرائيل، شقاقٌ أم وفاق" مراراً وتكراراً: بالسلام، هنالك أمل، وطبعاً وقتها شنّع عليه مصاصي الدماء الأفاضل كثيراً، واليوم يعود مصاصي الدماء ليشنعوا على "محمد بن سلمان" لأنه قال: أنا متفائل، بالسلام. ولا مجال أبداً لأي عملية بناء إلا بالسلام. لا السلام المؤقت إنما السلام عن قناعة بأن القدس للجميع، وأنها هدية من يستحق في الأخير، والسلام.

عقيدة النباح ضد السعودية


حتى الآن لم يعادي أحداً هذه البلاد ثم وفقه الله.
حاول "جمال عبد الناصر" وفشل، ثم حاول "صدام" وندم، وانتهت كل المشاريع الكبرى في المزبلة حين عادت السعودية (الناصرية، القومية، العروبية، الماركسية، الشيوعية ...) حتى المشاريع الإسلاموية التي نادت بإحياء الأمة، لعنتها الأمة.
واليوم تقام حفلة ردح ونباح صاخبة جداً تقوم بأدائها جماعة الإخوان وتمولها قطر وتدعمها إيران ويحتضنها جناب السلطان، فهل سيستثني الله كل هؤلاء من الفشل والسقوط في ذات المزبلة؟، أم إنهم فعلياً قد سقطوا وأنتهى أمرهم، وما نسمعه اليوم منهم ليس إلا نحيبهم والنباح؟.

اجتمع اليوم على كره هذه البلاد وبغضها، كل شيعي متفرسن، وفارسي متخلف، وإخونجي حاقد، وعروبي متغطرس، الواحد منهم يشتم السعودية 120 مرة في الدقيقة، 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، وتتدلى ألسنتهم هكذا على مدار العام.
يردحون في الإجازات والأعياد وحفلات الزواج، يعتلون منابر المساجد ويلطمون في الحسينيات، يتسمرون في القنوات الإعلامية ويشخبطون في الصحف الورقية والإلكترونية وكالبعوض يتكاثرون في مواقع التواصل، وهكذا حتى ضيعوا كما ضيع كل من عادى هذه البلاد نسبه وضيع ابنائه ووطنه وحتى أخلاقه وكل إحساساً لديه بالشرف، حتى ملامح هؤلاء تغيرت وباتت شاحبة كملامح جثثٍ تعفنت.

اتفق اليوم كل الأراذل على وجوب شتم السعودية وشتم من يقف معها وشتم حتى من لا يشاركهم شتمها، منهم من يشتم تعبداً لله وثأراً للحسين وتعجيلاً بظهور المهدي المنتظر، ومنهم من يمد لسانه ليعوض عن قصر قامته، ومنهم من يشتم كِبراً وغطرسة كفارسي يرى عِرقه أرقى أو عروبي يرى أرضه أغنى، أما المرتزقة فالشتم في عرفهم ليس إلا باباً من أبواب الرزق، إن أًعطي أحدهم مدح وأثنى فإن مُنِع هاج ونبح، وإن تُرِك ذهب ليطرق كل الأبواب، يبحث عمن يشتريه بأي ثمن، تماماً كجارية تركض من حجرةٍ لحجرة ومن حضن سيداً لترتمي في حضن آخر، تنشد قوت يومها وفراشٍ تستلقي عليه ليتهتك عرضها.

مرتزقة، يستيقظ الواحد فيهم من نومه فيشتم السعودية، ثم يشتم قبل وبعد كل وجبة، ويشتم حتى إن طردته زوجته كلما تحرش بالخادمة، ويصاب بالسُعار حين تستضيفه قناة إعلامية أو يفسح له المجال ليعتلي منبراً أو حين يكتب مغرداً، يصرخ حينها ويزبد ولا يهدأ إلا حين يستلم المبلغ كاملاً، وتماماً كفتاة الهوى التي يزيد سعرها كلما زادت تأوهاتها، يزيد سعر المرتزق بزيادة صراخه، وكما تكذب فتاة الهوى في أحاسيسها يكذب المرتزق، ينظر لـ"قاعدة العيديد" من نافذة غرفته ثم يتهم السعودية بأنها عميلة أمريكا في المنطقة، يسكن في المبنى الملاصق للسفارة الإسرائيلية في العاصمة التركية ثم يتهم السعودية بموالاة إسرائيل !!.

إن المسألة برمتها ليست مجرد عرض آراء مخالفة للتوجهات السعودية، المسألة أننا أمام مشروع يقف دوماً وعلى طول الخط ضد كل ما فيه خيراً للأمة، المسألة أننا أمام نفوسٍ مريضة تأقلمت مع العفن (عرباً ضد العرب) (إسلاماً يطعن في الإسلام) (بشر بلا شرف) ينتفضون كمن به مس إذا ما أطلقت السعودية رصاصة على صدر حوثي خائن، وحين يطلق الحوثي صواريخه تجاه "مكة المكرمة" يبلع الشريف منهم لسانه ويتراقص بقيتهم طرباً!، كأنهم والله لا يستقبلون الكعبة إلا للشتم والنباح.

ويمكن القول أيضاً أن لهذا الردح المتواصل جانبه الاقتصادي القائم على موازين الربح والخسارة والمصلحة المشتركة بين طرفين الشريف فيهما وضيع، كأن تتقدم قناة إعلامية بمغازلة المعلنين عن طريق إستضافة أطول المحللين لساناً وأكثرهم سفالة، وسعادة المحلل الإستراتيجي يُدرك أنه لن يُستضاف أبداً ما لم يتمكن من شتم السعودية 120 مرة في الدقيقة الواحدة، ورغم صعوبة بلوغ هذا الرقم إلا أن هناك عِدة أسماء على الساحة تخطت حاجز الـ120، أبرز هؤلاء بلا منافس "عبدالباري عطوان" الذي لُقِب بـ"دولار" كونه النسخة البشرية الحية من هاتف العملة، فالرجل لا يفتح الخط أبداً إلا لمن يدفع، الرجل بحق يُعد نموذجا وقد اقتدى به الكثير من الكُتاب والمحللين والمفكرين النوابغ، حتى باتت كل خطوطهم مفتوحة، من هؤلاء "محمد الناصر، فيصل القاسم، جمال ريان، وأخيراً وليس آخراً السيد جمال خاشقجي".

هؤلاء المرتزقة ليسوا فقط سفهاء إنما أيضاً يمارسون ذلك النوع الرخيص من الكذب، يرون جناب السلطان وهو يبكي بحرقة ويرطم برأسه في حائط المبكى ويفتح بلاده لنصف مليون سائح إسرائيلي سنوياً ثم يتهمون السعودية بأنها من تقيم علاقة مع إسرائيل!، يحجون لطهران ويصفقون للحوثي ويتبركون بحزب الشيطان، ثم يتهمون السعودية بأنها تسعى لتمزيق المنطقة!، يرون تسابق قادة الفصائل، المناضلين الأشاوس، للإقامة في فنادق "تل أبيب" إقامة شاملة الفطور والمساج بالصوت والصورة، ثم يُقسِمون بأن السعودية هي التي "خانت الكظية"!.

واليوم اجتمع كل المرتزقة والإخونجية على وجوب التفريق بين الأخ وأخيه، يصورون للسعودي أن كل فلسطيني يكره السعودية، ويصورون للفلسطيني أن كل سعودي يكره فلسطين، هذه اليوم هي المهمة التي تم تفويض "حماس" بأدائها. فمن أين خرج علينا كل هؤلاء؟! الجواب بإختصار: أن "عاصفة الحزم" هي ذلك الحجر الذي سقط على بركة ماءٍ راكد فأخرج كل البعوض والذباب والضفادع.

فين أيامك يا موسوليني

 

أما لماذا "موسوليني" فلكي يستقيم عنوان المقال لا أكثر، وقد كنت أنوي كتابة العنوان بـ"رحم الله زمان هتلر" أو "صدام آخر الطغاة المحترمين" .. لكن تجنباً لعدم الترحم على غير المسلمين، وتجنباً لإطلاق صفة محترم على شخصية لا يحبذها الكثيرون، رأيت أن أبني العنوان على "موسوليني".

عموماً القضية ليست قضية عنوان إنما هي قراءة في صورة الاستبداد بين الأمس واليوم.
مثلاً بالأمس كان المستبد فرداً يؤمن بقضية محددة، ومن أجلها يجيش الآخرين ويجندهم، كانت له أفكار ورؤى يعتد بها وقدرات عقلية عالية تمكنه من قيادة الجموع نحو الهاوية، كان قائداً ذا هيبة ومتحدثاً متمكناً وخطيباً مفوهاً، بالإضافة إلى بضع صفات أخرى إن لم يتوفر أغلبها أو كلها فيه، فقد لا ينجح أن يكون هذا القائد المفدى بالروح والدم.
أما اليوم فإن صورة الاستبداد والمستبد تغيرت تماماً، يمكن القول إن صورة المستبد اتجهت اليوم نحو الليونة والبلاهة، هذا لأن مستبد اليوم تحول من قائداً فرداً مهاب إلى مجرد أداة تتحكم به الجماعة وتستخدمه لتحقق مصالحها وأطماعها (جماعة الأغنياء ورجال الأعمال أو الأحزاب أو الطوائف الدينية أو كل هؤلاء) أي أن زعيم اليوم المستبد الطاغية ليس أكثر من خادماً ذليلاً عند قوى أكبر منه، تتحكم به وبخط سير طغيانه واستبداده، هي التي تتحكم به ولا سطوة له عليها.

ما عاد الزعيم الطاغية المستبد قائداً مهاباً لقطيع، إنما بات فرداً في قطيع بلا قائد، تحركهم مجموعة أطماع ودوافع شخصية، وأن يصبح الزعيم المستبد فرداً في القطيع فمنطقياً لن يحتاج إلى تجييش وحشد الآخرين حوله، ويجيشهم حول ماذا إن لم يكن هو ذاته يحمل أي قضية ولا يؤمن بشيء.

إن الاستبداد اليوم بات وظيفة لا أكثر، وظيفة يشغلها من تختاره الجماعة وتراه مناسباً، ومن شروط شغل هذا المنصب أن يكون المرشح محدود الذكاء وفي ملامحه شيء من البلاهة، ولا بأس أن يكون أضحوكة الرأي العام وإن تطلب الأمر أن يخرج على الجمهور بلباس الأراجوز فلا حرج، فأصحاب المصالح والمطامع يريدون شخصاً بهذه الصفات تحديداً كي يسهل عليهم التحكم به وتوجيهه نحو تحقيق المزيد من المكتسبات.

إننا لا نشهد اليوم تراجعاً لمفهوم الاستبداد، كل ما في الأمر أن شروط ومتطلبات الاستبداد قد تغيرت، فمستبد اليوم بلا هيبة ولا رصانة كي لا تلتف الجماهير حوله فيصعب حينها انتزاعه في حال انتفاء الحاجة منه، من الشروط أيضاً ألا يتمتع بأي درجة من درجات الذكاء أو أن يمتلك وعيه الخاص به كي لا يقوده عقله إلى تبني قضية أو هدف قد يتعارض من مصالح الجماعة، كذلك من الشروط ألا يكون للمستبد أي طموح أو رؤى أو توجهات، كل المطلوب منه أن يجلس فقط على كرسي الزعامة ويبدأ في ممارسة النهش الممنهج والمحدد له، يمكن القول إن الجماعة أو الجماعات هنا تنصب خادمها في منصب الزعيم المستبد وتغذي إحساسه بالعظمة والقدسية التي يتخيلها متحققة فيه، وفي المقابل تتحصل هي على كل المكتسبات المادية والاقتصادية والسياسية.

وللوقوف على طبيعة الفرق بين استبداد الأمس واستبداد اليوم، لابد من عقد المقارنات بين مستبد الأمس ومستبد اليوم، بين "هتلر" و"القذافي" مثلاً، أو بين "صدام" و"علي عبدالله صالح"، أو بين "ستالين" و"جونغ أون"، والحديث هنا ليس هو بالبكائية على مستبد الأمس وكأن استبداده كان أجمل، فلا وجود لصفة أجمل هنا فالكل أقبح، إنما الحديث هنا عن الفروقات بين استبداد زمانين مختلفين، بين استبداد الماضي والحاضر.
في الماضي كان "هتلر" يلقي الخطبة فيجيش بها الجموع ويبث فيهم الحماس، بينما في الحاضر لا يستطيع المستبد أن ينطق جملة واحدة مفيدة ومترابطة.
في الماضي أسس "عبد الناصر" حركة جماهيرية لا تزال تحمل اسمه، بينما في الحاضر لا يملك المستبد ما يؤثر به حتى على زوجته وأبنائه.
في الماضي كانت لـ"صدام" شخصية وهيبة، بينما مستبد اليوم تطغى على شخصيته ملامح البلاهة والبلادة.
من خلال هذه المقارنات يمكن القول إن الاستبداد بالأمس كان وسيلة لتحقيق غاية عظمى يؤمن بها المستبد، بينما استبداد اليوم ليس إلا وظيفة روتينية يشغلها موظف لا يحمل أي طموح.

عموماً، الاستبداد في كل زمان ومكان يعتبر خلل وجرماً لا يغتفر، كما ويعبر عن وجود مرض أو عدة أمراض نفسية في المستبد، وهو أيضاً دلالة انهيار تام لكل القيم الأخلاقية في شخص المستبد وفي الداعمين له والمستفيدين منه، أن يكون المستبد ذا هيبة وعقلية فذة، أو أن يكون ذا بلاهة وبه مساً من الجنون، أن يكون خطيباً مفوهاً أو ألا يحسن نطق جملة مترابطة، أن يحمل هم قضية ويؤمن بها أو أن يكون ألعوبة بيد الآخرين، في كل الحالات وكل الأزمنة ينتهي الاستبداد دوماً بالهزيمة والسقوط والمهانة.
في المحصلة فإن شخصية كـ"هتلر" رغم إيمانه بقضية ورغم تحوله لمصاص دماء لأجل القضية مات في ذل ولم تنتصر قضيته، و"بشار" هذا الألعوبة والذي حوله المتحكمون به لمصاص دماء سينتهي به المطاف إلى الذل والانكسار، كذلك قوة الشخصية لم تمنع "صدام" من الجرجرة في دهاليز المحاكم لينتهي به المطاف إلى حبل المشنقة، وملامح البلاهة لن تمنع "علي عبدالله صالح" أن يجر في دهاليز المحاكم أيضاً.

كل هذا يقود إلى حقيقة واحدة مفادها، أن الاستبداد مهما تعددت ملامحه وأساليبه فنهايته الهزيمة والذل والمهانة.

هذا ما جناه العسكر

 

عندما تتقدم راقصة للدفاع عن الوطن فلن يتحقق أي نصر مهما كانت ممشوقة القوام ورقصها بديع، وعندما يتقدم للحفاظ على أمن الوطن والمواطن مطرباً فستعم الفوضى مهما كان صوته شجياً يجلب السرور، هذا لأن أدواراً كخوض المعارك وحماية الحدود والحفاظ على الأمن ليست أدوار ومهام المطربين والمطربات أو حتى الأطباء والوزراء أو المفكرين ورجال الدين، إنها مهمة الجنود في المقام الأول ليأتي البقية كخطوط ثانوية مساندة، وفي الحقيقة لا فرق بين قيادة جيش بالطبل والمزمار وهز الوسط وبين قيادة البلاد بعقلية العسكر، وهنا الإشكالية التي وقع فيها العرب حتى انتهى بهم الأمر لكل هذه الفوضى التي نعيشها اليوم والمسماة بـ (الربيع العربي).

السبب الرئيسي والأهم، والدافع الأكبر وراء خروج الجماهير لتثور على أنظمتها هو أن العسكر تركوا المهمة السامية الشريفة المتمثلة بالدفاع عن الوطن وحماية أمنه والحفاظ على راحة المواطن وتفرغوا تماماً للسيطرة والحكم وتسيير شئون البلاد والعباد، أنهم نقلوا عدتهم وعتادهم وعقلياتهم بكل ما تحمله من صرامة وإنضباط وطاعة للأوامر بلا نقاش لساحة الحياة المدنية، وراحوا يديرون البلاد كما تتم إدارة ثكنة عسكرية، يخططون لبناء الوطن بعقلية التخطيط لمعركة، وعقيدة العسكر مبنية على القوة ولا معنى للقوة ما لم يكن الآخر في حالة ضعف، والشعب هنا هو هذا الضعف الذي يعطي للقوة العسكرية معنى، والتربية العسكرية ترتكز على وجوب الحماية، حماية القضية ككل من خلال حماية الحيز المكاني الصغير الذي يشغله الجندي، والجندي على سدة الحكم يشغل الكرسي، إذاً فحماية هذا الحيز المكاني الصغير هي قضيته الأسمى وإن لزم الأمر حرق الوطن بمن فيه.

الإشكالية ليست في العسكر أو في ثقافتهم أو في الاسلوب الصارم الذي تفرضه الحياة العسكرية، الإشكالية حين ينتقل العسكر من الثكنات إلى الوزارات، من أرض المعركة إلى قصر الحكم، الإشكالية حين يتم هذا الإنتقال من واقع الحياة العسكرية الذي تحكمه قوانينه وقواعده الصارمة والواضحة جداً إلى واقع الحياة المدنية الرحب والمراوغ، دون أن يصاحب هذا الإنتقال أي تغيير في العقليات.

إن للحياة المدنية والحياة العسكرية واقعان منفصلان ولا يمكن إخضاع أحدهما لقوانين الآخر، لكن هذا ما حدث وأدى لكل هذه الفوضى التي يعيشها العرب اليوم، وهذه نتيجة منطقية لعقلية لم تتقبل حقيقة أن الحياة المدنية شيئاً مختلف تماماً عن الحياة العسكرية، فراحت تتعامل مع الوطن ككل أنه مجرد ثكنة عسكرية لا يحق فيها للمواطن إلا تنفيذ الأوامر دون أي نقاش أو إعتراض.

في الحياة العسكرية لا وجود لحلول تفاوضية إنما لابد من شل حركة الخصم أولاً وضرب نقاط قوته بكل قسوة ومن ثم يبدأ التفاوض معه والإستماع إليه إن لزم الأمر، وهذه القاعدة متى ما تم تطبيقها في الحياة المدنية ستغيب الطمأنينة وراحة البال ويبدأ القلق، العقلية العسكرية تنظر لكل درجات الإعتراض أنها جناية وخطيئة تستوجب العقوبة الفورية، المنطق العسكري لا يوجد فيه حق تقرير المصير إنما توجيه القرار من الأعلى للأدنى، وعندما تتولى قيادة عسكرية زمام الدولة المدنية بهذا المنطق الجلف الصارم فسيتم التعامل مع كل أشكال التدافع في المجتمع المدني وكأنه صراع عسكري لابد فيه من الحسم وتكسير العظام بكل قسوة، وربما ينتهي الأمر عند هذا الحد!.

لن تستوعب العقلية العسكرية كيف أن التدافع والتنافس وكل هذه التناقضات والإعتراضات والإنتقادات والنقاشات والإختلافات في الرؤى والتوجهات هي المحرك في الحياة المدنية، وأن تقديم التنازلات في الحياة المدنية وكل هذه المراوغات والإحتيالات تدفع للمزيد من التقدم والنمو بينما التنازلات في الحياة العسكرية لا تضمن سوى الهزيمة، وهذا منطق لا يستوعبه العقل العسكري المبني على الحسم وتحقيق النصر بقوة وبضربة قاضية لا بالنقاش والجدال والتربيت على الأكتاف.

إن الفوضى والثورات لم تجري في كامل الوطن العربي، إنما فقط في البلاد التي يحكمها العسكر وبعقلية العسكر (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، والعراق من قبل) وهذه البلاد تحديداً هي ما ينتشر فيها الفساد والركود الاقتصادي وسوء الأحوال المعيشية والتعليمية والصحية بشكل يدعوا للرثاء -وهذا ما جناه العسكر- .

يمارس القائد السياسي العسكري جبروته على الداخل وهو يشحذ ويستجدي من الخارج، يحكم قبضته على الداخل ويتعرض خارجياً للهزائم من كل إتجاه، ثم يعوض إحساس الإهانة بالهزيمة خارجياً بأن يزيد من تضييق الخناق على الداخل بكل وسيلة ممكنة، إنها سياسة التواجد وفرض الذات بنشر القلق قدر المستطاع، كلما كان المواطن خائفاً قلِقاً كلما شعر العسكر أن لوجودهم معنى، والخوف من عودة حالة القلق هذه هو تحديداً ما دفع بالشعب التركي أن يخرج لضرب الثوار العسكر بالأحذية، فقائد مدني لا ترضى عنه الأغلبية خيرٌ من قائد عسكري يؤيده 99,99% وهم كارهون.

الخلاصة، أن المجتمعات لا يمكن لها أن تتقدم أبداً ما لم تضبط العلاقات العسكرية المدنية، ما لم تضع قواعد وأنظمة وقوانين تضمن تحقيق التناغم ما بين مؤسسات الدولة وعدم تداخل المهام بينها، لا يمكن ان يتحقق أي تقدم ابداً طالما يتحكم في البلاد أناس يستوحشون من الحياة المدنية.


جزى الله الشدائد كل خير





الحاضر .. محطة نرتاح فيها قليلاً من رحلة الأمس ثم نتجهز لرحلة الغد.


السعودية تشهد اليوم وتعايش تحولات كبرى، تحولات ستؤثر عليها من كل النواحي "سياسياً وإقتصادياً وثقافياً" .. تحولات ستغير ملامح هذه الدولة للأبد، ولن يعود الوضع برداً وسلاماً إلا لو عاد الزمن إلى تلك اللحظة التي تم فيها الإعلان عن "عاصفة الحزم" وتم منعها من الحدوث، وطالما الزمن لن يعود فعلينا أن تتأقلم مع حقيقة أن رغبتنا في النهوض وفرض الذات طبيعي أن تزعج الأخرين كثيراً، أن تؤثر على مصالحهم جداً، فالآخرين قاموا بتكييف مصالحهم مع وضعنا في السابق، حين كان دورنا ينحصر في المداراة والملاطفة ودفع الأموال بلا مقابل ولا إملاءات، حين كان دورنا ينحصر في التغني بصداقات لا محل لها من الإعراب.

وفي ظل هذه التحولات التي نعيشها اليوم، علينا أن نتعلم جيداً كيف نتجنب الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعنا فيها بالأمس، كيف نتفادى السقوط في الحفر التي سقطنا فيها مراراً بحسن نية وسوء تقدير.

لقد كانت سياستنا مبنية على الظن، الظن بأن من حولنا هم فعلاً أصدقاءً ودودون يكنون لنا كامل الإحترام والتقدير، لنكتشف أن العلاقات الدولية اليوم لا تعترف إلا بالمصلحة والنفعية المجردة، المقربون من العرب لا يؤمنون إلا بمصالحهم، لا عقيدة يملكونها إلا عقيدة النفعية البشعة، من يبتسم لنا فلأن الإبتسامة تحقق له مصلحة فإن رأى في العداوة والبغضاء مصلحة ستتحقق له فسيكشر عن أنيابه دون أي إعتبار لإنكسار الآمال التي عقدناها على أخوته وصداقته.

لقد استيقظنا اليوم لنجد أغلب المحيطين بنا، أغلب الحلفاء الذين تغنينا بقربهم، ليسوا أكثر من أصحاب مصالح، وكي لا يستيقظ الأبناء غداً ويفاجئهم هذا الأمر مجدداً فعلينا أن لا نهدر المزيد من الوقت والجهد والمال في عقد التحالفات شرقاً وغرباً، فالتحالفات مشاريع ثانوية تأتي بعد التحالف معنا، بعد أن نؤمن بسواعدنا، بعد أن يكون لنا مشروعنا الخاص والقائم أولاً وأخيراً على الإيمان بإبن هذا البلد دون سواه، بعد أن يتم إصلاح الداخل بشكل جاد دون تسويف، ففي الأخير لن يراعي مصالحنا سوانا.

علينا أن نصلح أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والثقافية كي نستطيع تحمل تكلفة مشروع بهذه الضخامة.

علينا أن نبدأ في التعامل مع الكل بمبدأ أنه عدواً حتى يقوم هو بإثبات صداقته، وليس صديقاً نتوهم مودته ثم تفاجئنا عداوته!، فقد كلفنا هذا المبدأ خسارة كل الرهانات حتى الآن، وضعنا الرهان على "جعجع والحريري" في لبنان، وعلى "الليبرالية" في مصر، وعلى "القبائل" في اليمن، لنكتشف في الأخير أننا كنا نراهن على أشباح لا تأثير لهم في أرض الواقع إلا في إحداث الشوشرة.

لقد سارع الكل مع بداية "عاصفة الحزم" إلى تقديم الأعذار والحجج للتهرب من المشاركة، ولسان حالهم "نفسي نفسي" .. وتم على إثر هذا التخاذل دفع الكثير من الأموال، وعقدت الكثير من الإجتماعات، وألقي بالكثير جداً من الرز في بئراً بلا قاع، أردنا أن نريهم كيف أن القضية ليست قضيتنا وحدنا إنما قضيتهم في المقام الأول، لكن البحث المرضي عن تحقيق مصالحهم الشخصية أفقدهم القدرة على رؤية الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، حقيقة أن مشروع إيران لا يتوقف عند حدودنا إنما يمتد إلى وجود العرب، فالمجوس قومٌ تسيرهم أحقادهم والأطماع، كالعُمي يرفعون شعارات أخذ الثأر من الجميع بلا إستثناء.

إن المعركة ليست بين مشروع إيراني وأخر سعودي هدفه الهيمنة والسطوة، إن المعركة بين عرباً وفرس، بين مسلمين ومجوس، معركة تحشد فيها إيران الرأي العالمي لصالحها، تجمع كل المرتزقة، تستغل التشيع والشيعة وتركبهم كي تصل لأهدافها، إن المعركة اليوم معركة وجود، لكن الأصدقاء من حولنا يُعيدون ما فعلوه كل مرة خلال التاريخ، يفضلون تحقيق مصالحهم الشخصية الضيقة على مصلحة الأمة، يؤثرون الحفاظ على مكتسباتهم الدنيوية الهشة وإن أضاعوا في المقابل كرامتهم وقيمتهم.

وهذا أهم الأسباب التي تجعلنا كلما بذرنا البذور وزرعنا الزرع، جاءت إيران لتحصد كل الثمار !!


--


إن النهوض مطلوب، وتغيير المسار أمراً حتمياً ولابد منه، وقد قدر الله لهذه البلاد أن تبادر هي للنهوض وتغيير المسار ونزع ملامح السكينة والوقار التي تحلت بها زمناً، لكن هذا التغيير ومحاولة النهوض له متطلبات كما وله تبعات، فإنه مشروع ولا يزال في بداياته، وقد شهدنا في البدايات تبعات كبرى بدءً من مؤتمر الشيشان مروراً بقانون جاستا وإنتهاءً بتساقط أقنعة الأصدقاء القريبون قبل البعيدون، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالغد حالفل بالمزيد من المفاجآت ومحاولات الصفع، وسيتساقط الأصدقاء أكثر وأكثر ..

إنها تبعات يبتلي بها الله عباده ليختبر صدقهم فيما يعزمون القيام به.

أما عن متطلبات هذا المشروع، فأن يتم إصلاح الداخل بلا تسويف، فالداخل هو الدعامة الرئيسية والوحيدة لإستمرار مشروع بهذا الحجم، بلا إصلاح داخلي حقيقي لن نصل لأي مكان.

ثانياً أن تكون كل الجهات في الدولة على قدر المسئولية، وتحديداً الجهات السياسية والعسكرية والأمنية والإعلامية، وإنني أطمئن إلى الدور الذي تؤديه وزارة الدفاع في الحد الجنوبي والحد الشمالي، أطمئن إلى الدور الذي تؤديه وزارة الداخلية في الحفاظ على تماسك الداخل متيناً آمناً مطمئناً، أطمئن إلى الجهاد الذي تخوضه وزارة الخارجية وهي تخوض حربها الضروس لدعم المشروع السعودي.

لكن ورغم كون تسعة أعشار اللعبة الدولية السياسية اليوم هي لعبة إعلام، إلا أنني أبداً لا أطمئن لدور الإعلام السعودي، فإعلامنا بلا شك هو الأقوى عربياً والأكثر إحترافية وجذباً للجمهور، وقد مارس الإعلام ببراعة كل الأدوار إلا الدور الوحيد المناط به، أن يكون صوتنا إلى العالم !!.

إن مشكلة إعلامنا ليست في أنه يخدم أهداف الأخرين، مشكلته أنه إعلام بلا هدف ولا قضية، وما لا هدف له فمن السهل على الأخرين إمتطائه ليحققوا أهدافهم، هذه هي كل مشكلة إعلامنا، أن قضيته الوحيدة أن يستمر في عرض البرامج الترفيهية !.

إن السعودية دولة عظيمة، ولها أدواراً إنسانية عظيمة، وإعلامنا لا يجد بين كل الأدوار التي تقوم بها السعودية ما يمكن إستغلاله ليبين للعالم مدى عظمة هذه الدولة !.

الإعلام في أوروربا مثلاً يستغل قضية اللاجئين خير إستغلال ليبين دول أوروبا أنها نصير الإنسانية وحامية المستضعفين، حتى لو آوت دولة في أوروبا مئة لاجئ في أراضيها لضخم إعلام هذه الدولة صورة اللاجئين ألاف المرات، والسعودية لم تغلق أبوابها يوماً في وجه المستضعفين، من فلسطين وتركستان وأفغانستان وبورما والعراق وسوريا .. إلخ، وهؤلاء لا يعاملون معاملة اللاجئين إنما ينظر لهم أنهم اخوة وأهل وأصدقاء لهم كامل الإحترام والتقدير، تفتح لهم الدولة أبواب المستشفيات والمدارس وأسواق العمل بلا تمييز، وهذا دوراً واحداً ضمن عشرات الأدوار الإنسانية التي تقوم بها السعودية منذ توحيدها، وليس المجال هنا لحصر كل أدوار السعودية في المجالات الإنسانية، لكن يكفي معرفة أن السعودية خلال بضع سنين صرفت في الجانب الإنساني أكثر من مئة مليار دولار، رغم هذا لا يجد إعلامنا ما يستغله لبين حقيقة هذه الدولة !.

للأسف، إعلامنا الرسمي يغط في سباتٍ عميق، وإعلامنا المدعوم يبلع "المن والسلوى" بلعاً ثم يصور للعالم أن السعودية ليست إلا صحراء لا ينبت فيها إلا الشوك !!.
فأين إعلامنا عن المشروع الذي تخوضه السعودية اليوم ؟!، ما دوره في كل هذه القضية، بالضبط ؟!.


--


لكن .. إن كان للشدائد جانبها المظلم فإن لها جانبها المشرق، فهي تبين لنا العدو من الصديق، وهي أيضاً تزيد الوعي في الفرد والجماعة، في السياسي ورجل الشارع، الشدائد تحفز على تغيير العقائد السياسية كسياسة بناء العلاقات والتحالفات التي كانت خسائرنا منها أكبر من العوائد بأضعاف مضاعفة، الشدائد أيضاً تحرض على غربلة شاملة لكل المناهج الإجتماعية، وأهم المناهج التي تحتاج إلى غربلة اليوم هو المنهج الإعلامي، فبفضل إعلامنا تاهت حقيقتنا عن أعيننا قبل أعين الأخرين.


--


لقد مرت السعودية منذ تأسيسها بالكثير من المنعطفات والمحن والشدائد، وقد تجاوزتها بفضلاً من الله، وبإذن الله ستتخطى هذه الدولة محن اليوم وشدائدها إلا أن الأمر لن يكون بالتساهيل كما لم يكن يوماً بالبركة والتساهيل، إنما بالحسم والحزم والحنكة، وبمعرفة جوهر كل قضية، وقضية اليوم أن الأخرين "عرباً وعجماً" يسعون جاهدين إلى تقزيم السعودية أو إعادتها إلى ما قبل "عاصفة الحزم" .. أن يكون كل دورها في الطبطبة والإبتسام والملاطفة ودفع الأموال بلا مقابل .. أن لا تقود العرب لأي مكان سوى الخنوع والخضوع.

فجزى الله الشدائد كل خير، قد أسقطت الأقنعة المزيفة، وكشفت لنا العدو من الصديق.
جزاها الله ألف خير أن أهدتنا فرصة لا تتكرر لنراجع فيها كل حساباتنا.