‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلسفة. إظهار كافة الرسائل

العلاقة ما بين السحر والدين

 


أيهما خرج للوجود الإنساني أولاً، السحر أم الدين ؟! .. وهل خرج السحر من رحم الدين أم إن الدين إبن السحر؟!
في الحقيقة لا توجد هنا إجابات يقينية جازمة، إنما فرضيات، فمثلاً "هيجل" يرى أن هنالك عصراً قديماً أو عصر ما قبل التاريخ، وأن طقوس السحر والشعوذة قد سادت ذلك العصر، وأن الساحر في تلك الأزمان البعيدة كان هو سيد القوم وهو صاحب الهيبة والمكانة الاجتماعية، وهذه الفكرة صاغها "فريزر" في نظريته التي افترض من خلالها أن الإنسان البدائي حاول أن يتحكم بالطبيعة من حوله فأخترع الطقوس السحرية والشعوذة كأدوات تُمكِنه من التحكم في الطبيعة، لكن عندا اكتشف بأن هذه الأدوات السحرية لا تُجدي نفعاً إتجه شيئاً فشيئاً للدين.

في رأيي أن مثل هذه الفرضيات لا تصح، فالدين والسحر كانا شيئاً واحداً منذ الإنسان البدائي "الإنسان الصياد" حتى زمن الحضارة الفرعونية، لا يُمكِن خلال كل هذا التاريخ أن نفصل بين السحر والدين، فالطقوس الشعائرية التعبدية وقتها كانت تعتمد على ترديد الطلاسم السحرية والدوران حول النار وتقديم القرابين البشرية، هذا هو الدين المعتمد الهادف لتسخير قوى ما ورائية، بمعنى أن السحر عند الإنسان البدائي "الصياد" حتى السحر عند الفراعنة لم يكن شيئاً مخيفاً تتم ممارسته في الأماكن المظلمة كما يحدث اليوم، والدين أيضاً لم يكن لعبادة الله أو لجلب الراح والطمأنينة إنما كان الهدف منه تجنب غضب الشياطين والوحوش والأرواح الشريرة، ومثل هذا الدين لا يحتاج فيه الإنسان للدعاء والصلاة إنما للسحر والشعوذة.

***

السحر والدين مرا بثلاث مراحل أساسية ..

المرحلة الأولى: مرحلة الإنسان الصياد، الذي كان يعتمد على الصيد في حياته، وكان يسكن الكهوف أو يعيش في السهول المفتوحة، وقتها كانت الحياة قاسية موحشة صارمة، وحياة بهذه القسوة تتطلب ديناً يعتمد على السحر والشعوذة وذبح البشر كقرابين والدوران حول النار لتجنب خطر الوحوش أو غضب الشياطين.

المرحلة الثانية: مرحلة الإنسان الزراعي، أو مرحلة الزراعة، التي ظهرت فيما بعد وبدأ خلالها الإنسان يستقر ويستأنس الحيوان ويروضه، حينها لم تختفي الحاجة للسحر إنما اختفت الوحشة والحياة الصارمة فتحول السحر من عملية تُمارس في الأماكن المظلمة لعملية تُمارس علناً وأمام الجميع، تحول الدين من دين يُجنِب الإنسان خطر الوحوش والشياطين لدين يسترضي الآلهة.

المرحلة الثالثة: مرحلة الحضارات والمدن، كالحضارة الفارسية والبابلية واليونان والإغريق والحضارة الفرعونية، كل هذه الحضارات لم تنظر للسحر أنه شيئاً منفصلاً عن الدين، إنما كان هو الدين المعتمد لكن بشكل يُلائم الحياة في المدينة.
بمعنى، أن الساحر الذي كان يخاطب الوحوش والشياطين عند الإنسان الصياد، أصبح يخاطب كائنات نورانية عند الإنسان المزارع، ثم أخذ يُخاطب الآلهة حين عاش البشر في المُدن، الساحر الذي كان يمارس الطقوس السحرية ليُجنِب جماعته خطر الحيوانات البرية المتوحشة، أصبح يمارس طقوسه ليُمكِن جماعته من ترويض هذه الحيوانات، ثم وفي المدينة أخذ يُمارس طقوسه السحرية لإسترضاء الآلهة .. وفي كل الأوقات كان الساحر هو الكاهن وهو رجل الدين وهو المُقرب من بلاط القصر، أي أنه لم يكن منبوذاً كما عليه الحال اليوم.

طبعاً المراحل الأخرى "مرحلة الصناعة" ثم "مرحلة العلم" ثم "مرحلة التقنية" التي نعيشها اليوم، كل هذه المراحل لاشك أنها أثرت في علاقة السحر بالدين، لكنها أدخلت العلم كمنافس قوي هنا، لكن لأن علاقة السحر بالعلم موضوعاً آخر تجنب الحديث عن كل هذه المراحل.

***

في الحضارات الإنسانية القديمة "البابلية والفرعونية" مثلاً، كانت الآلهة فيها متعددة، أو عوائل من الآلهة، ولكل إله طقوساً سحرية محددة يُعبد بها، ولم يتحول الأمر للتوحيد "أي لعبادة إلهً واحداً خالق" إلا كمرحلة أخيرة وتحديداً في زمن الفراعنة الذي وُلِدت فيه اليهودية.

في بدايات الديانة اليهودية، وقصة موسى –عليه السلام- مع سحرة فرعون، هنا بدأ التمهيد للطلاق الفعلي بين عالمي السحر والدين، من هنا بدأ كل عالم يتخذ شكله المحدد والمختلف عن العالم الآخر، إنفصل العالمين من هذه اللحظات وأصبحت للساحر مهاماً محددة ولرجل الدين مهاماً أخرى مختلفة، ورغم أن الإثنان "الساحر ورجل الدين" يمارسان ما يُمارِسانه بطرق مختلفة إلا أن الإثنان في الأخير يلعبان في ملعب الماورائيات !

فما الذي حدث ؟! ..

الذي حدث أن رجل الدين سواءً كان شيخاً أو قسيساً أو كاهن، حل محل سحار القبيلة، الذي حدث أن الظروف الإنسانية تغيرت فكان لِزاماً على الساحر أن يخلع ثوبه ويرتدي ثوباً جديداً بأدوات جديدة تُمكِنه من الإحتفاظ بمكانته المعهودة .. من هنا يُمكننا القول أن الأضاحي ما هي إلا عملية تقليد لما كان يفعله الإنسان الصياد من تقديم القرابين البشرية، والتراتيل والأدعية ما هي إلا محاكاة لتعاويذ الساحر القديم.

إن الصراع ومحاولات الفصل بين عالمي "السحر والدين" بدأ فعلياً مع الأديان الإبراهيمية "اليهودية والمسيحية والإسلام" كل دين أراد الإستقلال بذاته والإبتعاد عن عالم السحر، وهذا الصراع لا يزال قائماً إلى اليوم بدلالته ما يمارسه رجال الدين سواءً بالصليب أو الرقية الشرعية لإستخراج الجن والشياطين وإبطال السحر، هذا الصراع الذي لا يزال قائماً يُعتبر دليلاً على أن هذين العالمين المختلفين اليوم كانا في السابق شيئاً واحداً.

***

إن فصل السحر عن الدين، ثم فصل الآلهة المتعددة عن الدين، كل هذا يعتبر نتائج عرضية للثورات الثقافية التي حدثت في التاريخ الإنساني، لم يكن الساحر هو هذا الإنسان المُخيِّف إنما حولته الثورة الثقافية التي رافقت الزراعة لمكاناً آخر، لمكاناً أرقى في الحقيقة، فقد تحول الساحر من مجرد رجل يمارس بعض الطقوس عند الإنسان البدائي لموظف رسمي ولكاهن أعلى في الحضارات القديمة، هذه المكانة كانت مرتبطة بتعدد الآلهة، لكن حين بدأت الديانات الإبراهيمية وبدأت الدعوة للتوحيد تم طرد الساحر للخبث والخبائث والأماكن المظلمة، حين ظهرت اليهودية بدأ إجبار الساحر أن يُمارس عملياته بشكل قذر نجس وطريقة تشمئز منها النفوس.

***

هذا ما كان بين السحر والدين .. السؤال هنا: ماذا عن الدين ؟!
في البداية كل هذه الأسئلة، وهذا الموضوع عموماً طويل ومعقد ويحتاج لكتب ومجلدات، إنما أحببت أن أوجز إيجازاً مُخِلاً بالمسألة، أن أبدي رأياً متواضعاً هنا، أن أستقرئ المسألة لا أكثر.

ماذا عن الدين في المستقبل ؟!
لقد دخل العلم والأداوت العلمية في الخط، كان الساحر يتنبأ بوقوع الخطر، فجاء الكاهن ليتنبأ بالغيب عن طريق النصوص الدينية، ثم جاء العالِم ليتنبأ بدوره بالمطر والزلازل ومرور النيازك .. إلخ، وهذا يعطينا دليلاً أن العِلم أيضاً ليس إلا إمتداداً للسحر القديم والدين الحديث.
لقد برز اليوم نمط التفكير العلمي، فهل سيلقى الدين ما لقيه السحر ؟! .. هل سيأتي في المستقبل من سيكتب عن رجال الدين بالضبط ما نكتبه عن السحرة ؟! .. كل شيء وارد، ووارد جداً.
ألا يشبه صراع العلم والدين اليوم ذلك الصراع الذي نشأ بين السحر والدين البدائي القديم ؟! .. فهل سينتصر العلم كما انتصر الدين سابقاً على السحر ؟! .. أسئلة لا أملك إجاباتها.

إن العلم ذاته ليس شيئاً من خارج هذا البيت الذي يتواجد فيه السحر والدين، إن الساحر القديم البدائي كان يستخدم العلم دون أن يُدرِك، كأن يستخدم نبتة لتغييب العقول، كان يستخدم أدوات العلم بطريقة غير واعية وهدفه مخاطبة الكائنات الماورائية "ملائكة أو شياطين أو أراوحاً أو آلهة" .. كان الثوب فضفاضاً عليه فجاء رجل الدين ليأخذ منه الجانب الماورائي ويختص بمخاطبة الآلهة، ثم جاء العالِم ليأخذ من العِلم وينظمه .. وقد تحدث ثورة ثقافية مستقبلية نتيجة لحدثاً ما يزيح العلم أيضاً عن الطريق ويدخل الإنسان وقتها لمرحلة ما بعد العلم.

إنه إن كان الدين هو ما بعد السحر، والعلم هو ما بعد الدين، فما بعد العلم شيئاً مختلف حتماً، لكن هل سيكون شيئاً أكثر تطوراً ؟!، فهنالك قولاً بأن العلم كلما تطور كان أقرب لوصفه بالسحر من كونه يأتينا بمعلومات وحقائق وكأنها من خارج هذا العالم الذي نفهمه، فالعبقرية كعبقرية "أينشتاين" شيئاً لا يمكن فهمه على الإطلاق إلا إن قلنا أنها نفحات ربانية، كما نُحيِّل الأشعار البديعة لعالم الجن، فهل سيكون "ما بعد العلم" علماً كالسحر، أم أم سيعود الدين البدائي القديم المعتمد على الطلاسم والشياطين ليتسيد المشهد من جديد ؟! .. كل شيء وارد والحديث في هذا الموضوع إعمالاً للعقل.


الفن رفيق الإيمان

 


تبدأ الحكاية مع خوض الإنسان لرحلة الانتقال من البدائية إلى التحضر (مع التنويه أن البدائية لا تعني بالضرورة بهيمية كما يصورها التطوريون، إنما تعني إنساناً ذا بُعداً واحداً، أنه مادة لا أكثر، يعمل ويزرع ويمتلك لغة ونظاماً اجتماعياً شأنه شأن النمل والنحل، أي أن الغاية من كل أفعاله هي البقاء والحفاظ على النوع لا أكثر، فتحضر الإنسان حين تم تفعيل بعده الروحي، فبدأ حينها يبحث عما يُشبِع روحه بتزيين ما يصنع وتنظيم طرق الزرع والبحث عن المعنى والغاية خارج حدود الأرض، تحضر حين أدرك أنه ليس جسدا بلا نفس، أو رغبة بلا عقل، أو مادة بلا روح، تحضر حين رفع رأسه للسماء.

الإنسان البدائي صنع الأدوات، والأدوات في الحالة البدائية تفي بالغرض، لكن في حالة التحضر قام الإنسان بتزيين الأدوات وتجميلها.

السكن في الحالة البدائية يحمي من الوحوش والكوارث في الخارج، لكن في حالة التحضر لا بد من تجميل السكن بالألوان والرسومات.

الإنسان البدائي صياداً ممتازاً يترصد ويباغت وينصب الكمائن، فتحضر حين أضاف للصيد طقوسا لا علاقة لها أبدا بالغاية من الصيد، كالدعاء والصلاة قبل الصيد والرقص والغناء بعد الصيد.

من هذه البدايات أخذ الفن والإيمان يشاركان الإنسان رحلة الإنتقال من البدائية إلى التحضر.

وكأنه أصبح إنسانا حين أدرك أنه نبتة الأرض وسقيا السماء، يقرأ الآية ويلحن فيها، يبني المعبد ويزخرفه، يُذنِب فيستغفر، ينكب على الأرض ليعمل ويرفع رأسه للسماء ليدعوا، يبحث بطريقة علمية عن علل الأحداث في الطبيعة ثم يُجمِل النتيجة بـ"يا الله".

إنه إنسان لأنه جمع العمل بالإيمان بالفن في كل تصرفاته، وكما يجوع إن لم يأكل فسيشعر بالفراغ إن لم يؤمن وسيشعر بالتوحش إن لم يتذوق الفن، لهذا يخشع لقراءة آية ويتمايل لسماع صوتاً جميل، فإذا مر على بيت شعر يهيم فيه ومعه، هذا لأن الروح تشعر بالراحة أمام الآية والعزف والشعر والغناء، كما يشعر الجسد براحة ما بعد الأكل.

صاحب التفكير المادي لا يملك تفسيرا منطقيا لمفاهيماً متعددة، كالفن والإيمان والضمير مثلاً، كون هذه المفاهيم خارج حدود المادية التي يؤمن بها، كذلك المتدين الذي ينظر للجزء المادي في الإنسان أنه مسكن الشيطان، فهو لا يملك إلا تفاسيراً مشوهة للكثير من المفاهيم، يتعامل مع الفن أنه ابن الإيمان وعليه ألا يخرج عن طاعته وإلا سيعد قبحاً وانحطاط، والحقيقة أن الإيمان شأنه شأن بقية المفاهيم الماورائية التي تخدم الروح، لا هيمنة هنا لمفهوم على آخر، ولا حاجة لإخضاع مفهوم لمعايير الآخر، صحيح أن الإيمان أعلى مقاما من الفن، لكن الصحيح أيضا أن الإنسان في شهوره الأولى يتفاعل أولاً مع الفن، يتراقص لمقطع موسيقي ولا يبكي تأثراً بسماع آية!.

عموما، المادي يصور الإنسان أنه مادة فقط، وبالتالي فمهمته الوحيدة هي الالتصاق بالأرض، والمتدين يصور أن أي التصاق للإنسان بهذه الأرض يُعد رذيلة تستدعي التوبة.

المادي يصور الصلاة أنها ترف لا يحتاجه الإنسان، والمتدين يرى الغناء أنه غثاء لا يفيد الإنسان.

المادي يصور الدعاء أنه بدائية، والمتدين يصور الرقص أنه بهيمية.

المادي يصف الإيمان بالخلل، والمتدين يصف الفن بالعفن.

هذا يريد دفن الإنسان في الأرض، وذاك يسعى لنفيه إلى السماء.

هذا يريد إعادته لبدائية لم تعد تمثله، وذاك يريد ترحيله لملائكية لم يخلق لها.

كل طرف يريد احتكار الإنسان لنفسه، كل طرف يلمع معاييره ويصف معايير الآخر بأنها تشوهات.

وفي مجتمعي، على الفنان دوما أن يقوم بإخضاع فنه لمعايير المتدين، سواء كان هذا الفن رسماً أو عزفاً أو غناء، إما أن يُخضِع فنه لمعايير التدين وإلا سيوصف ما يقدمه بالمجون والفسق والانحطاط، ومعايير التدين في مجتمعي بسيطة سهلة ومباشرة، أن يتم استبدال آلات العزف بزقزقة العصافير وهدير الماء والكثير جدا من الآهات، ومن يضطر أن يرسم ذوات أرواح؛ فعليه بقطع الرقاب لتجنب الوقوع في الشبهات، ومن التقوى أن يتم الاكتفاء برسم الأشجار والأحجار والبحار .. إلخ من المعايير البسيطة والغارقة في الجهل بالفن.

المسألة مسألة معايير إذاً ولا أكثر، معايير إن لم يخضع لها الفن فهو لهواً وعبث ومجون، معايير لم تكن لتوجد لولا الاعتقاد الخاطئ بأن مهمة الإنسان على الأرض أن يعيش متأهباً للعالم الآخر، زاهداً في الدنيا، لا لهو ولا لعب إلا وفق الشروط، شروط لم تأت بها نصوص قطعية إنما اجتهادات بشرية تخضع لثقافة الإنسان!

وهكذا، يضيع مفهوم أن الفن هِبة من هبات الرحمن للإنسانية، كالإيمان، كالأخلاق، كالضمير، ككل شيء لا نفهم طبيعته إلا أننا نفهم به معنى قوله تعالى [فإني قريب].

الخلاصة أن المجتمع الذي تنتشر بين أفراده عقيدة "كراهية الفن" فلن يختفي الفن فيه، إنما ببساطة سيتحول إلى "رجيع فن"، حيث الأصوات كلها نشاز يُطرب لها المستمع بالإكراه، حيث الأنغام تتفاوت ما بين آهاتٍ ونواح، حيث تكسير آلات العزف عبادة وجهاد، حيث الفنان يُشتم تقربا لله.


في عقيدة "كراهية الفن" توصف الآلات الموسيقية بمزامير الشيطان، ويتم ربط سقوط الأندلس بفن "زرياب"، ويتم الحط من مكانة العالم الجليل إن أنصت لصوت "أم كلثوم"، ويقسم الناظرون بأن سقوط "طلال مداح" على خشبة المسرح نكسة وسوء منقلب .. والكثير من الفرضيات التي يتم بناؤها على الظن ثم يتم تنصيبها كعقائد لا تقبل الجدل، فرضيات جعلتنا نربط الفن بالرذيلة التي تستدعي التوبة والأوبة قبل أن يموت الإنسان بصفته فنانا فيعذبه الله بجريرة إمتاع الجمهور.

ماذا لو مات على الشك




للإفتاء والنطق بالحكم؛ أهله، ولعامة الناس طرح الأسئلة حول كل أمر فيه إشكال عليهم، وما السؤال الذي يتم طرحه إلا دليلاً على فضول لم يتم ريه بعد، وحاجة للمعرفة لم تستكن، وإشكالية لم يحسم أمرها، بل أظن أن معظم الإشكاليات عموما، والدينية منها تحديدا، لن تحسم أبدا لتبقى محل أخذٍ ورد إلى أن يشاء الله، هذا يدلي برأياً يراه صوابا وذلك يدلي برأياً مختلف تماما ويراه أيضا صوابا، وآخرون لا عمل لهم إلا التشكيك في كل الآراء، ليستمر الجدل الذي تتجلى أعظم الغايات منه في إثراء المعرفة الإنسانية.

ولا شك أن المعرفة الإسلامية معرفة ثرية، ولثرائها عدة أسباب، أهمها هو هذا التنوع والاختلاف الهائل في الآراء والأفكار والمعتقدات التي أسهمت في نشوء مذاهب وطوائف وتفرعات في كل اتجاه، ورغم هذا التنوع الهائل إلا أن كل هذه المعرفة في آخر المطاف لم تفقد صفتها الإسلامية، والمتأمل في هذه المسألة سيلحظ في مرحلة ما أن المعرفة الإسلامية أكثر رقيا وتسامحا، بل وأكبر قدراً مما تحمله صدور كثير من المسلمين وقناعاتهم، ودلالة رقيها وعلو قدرها أنها لم تصل إلى هذا الثراء إلا عبر السير فوق الأشواك، أشواك غرسها المسلمون أنفسهم في طريق المعرفة بحجة البحث عن مرضاة الله!.

وليس من باب المبالغة القول بأن الأشواك لم تستثني عالماً مسلماً ولا مفكراً أو صاحب رأي إلا وأصابته، بعضهم نجا من الأشواك بصعوبة بالغة، وأكثرهم لقي حتفه فعليا، هنالك من تم سجنه وتعذيبه، وهنالك من تعرض للقتل بكل بساطة وبلا مقدمات، وهنالك من ذاق الأمرّين إلى أن تمنى الموت فلم يجده، وكل قاتل وسجّان كان يبحث عن مرضاة الله بطريقته الخاصة، وحسب مفهومه ومفهوم جماعته، كل ظالم قد آمن بأن الحق في صفه ووفق ما يعتقد هو وأن من يخالفه حتما على ضلال، وفي تاريخنا الإسلامي وربما لأن السير في طريق الحوار طويل ومرهق، فقد حضر العنف حلا سريعا لإرساء الحق وفرضه في معظم مراحل هذا التاريخ.

فما هذه الأشواك؟!.
عن ابن عباس –رضي الله عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه"، ورغم اختلاف العلماء وتنوع آرائهم حول هذه المسألة، إلا أن الإشكالية ليست في اختلاف العلماء ولا في الحديث -معاذ الله- الإشكالية حين يتم التعامل مع كل مخالف وكل من يأتي برأي غير مستساغ أنه مبدل لدينه ويجب قتله "هذه تحديداً هي الأشواك" أن تعتقد كل جماعة بأنها الممثل الشرعي والوحيد للإسلام، والجماعة التي تعتقد بهذا تمنح نفسها سلطة الحكم بالنيابة عن الله والنطق باسمه والقتل والسجن لمرضاته.

طبعا، أنا أعرض هنا إشكاليات فقط، وإلا فللإفتاء أهله، وللنطق بالأحكام أهله، أهل الإفتاء علماء أجلاء متمكنون، لم يجمعوا في مسألة حد الردة على رأي واحد، أما من أجمع منهم على وجوب قتل المرتد، فقد وضعوا لمثل هذا الحكم ضوابط وشروطا صارمة، لعلمهم أن هذا السلاح خطير جدا ولا يجب تركه في أيدي الصبيان ليلعبوا به، ويطعنوا على الشبهات والنيات، أو أن يستخدمونه لمجرد فرض الرأي!.

والمؤسف أنه وخلال التاريخ الإسلامي، كثيرا ما استقر هذا السلاح في أيدي صبيان جهلة أخذوا يطعنون به، ويسجنون وينفون ويطاردون بالعصي والحجارة كل عالم ومفكر، وحتى كل جاهل أرعن لم يعجبهم قوله، وحجتهم الجاهزة دائما وسهلة الاستدعاء، هي أن مخالفهم مرتد وجب قتله!

لقد سقط الدكتور "مصطفى محمود" بداية حياته في الشك إلى أن عبره ووصل إلى اليقين، وأصبح مفكراً إسلامياً يشاد به ويؤخذ منه. حسناً، فلنفترض هنا أن أحد الغيورين على الدين اعترض الدكتور في بداية سقوطه وطعنه بسكين، أو رفع عليه دعوى في المحكمة، وتم إصدار حكم القتل في حقه ونفذ الحكم فعلا!
هل كان الدكتور سيصل حينها إلى اليقين أم سيموت على الشك؟.
هل كنا سنترحم عليه اليوم ونتزود مما أسهم به من معرفة أم سنكتفي بلعنه وتخويف أبنائنا من السير في هذا الطريق؟
ماذا لو نُفذ فيه وفي آخرون غيره حكم الردة؟ بل ماذا عن الذين نفذ فيهم الحكم فعلا؟! .. الأجوبة مخيفة.

إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وليس الأمر منوطا بمشيئتنا نحن حتى نشاء ألا يضل هذا وألا ينحرف الآخر إلى أن يموت أو سيقتل!

لست هنا للاعتراض على حكم الردة، ولكن لوضع علامة تعجب حول اتخاذ هذا الحكم عنوانا بارزا لإلجام المخالفين، وعلامة تعجب أكبر حول تنحية الحوار رغم أنه العنوان البارز في القرآن.
لماذا بات اللجوء للمحكمة ورفع دعوى على من لا يستساغ منه رأي أسهل من اللجوء للحوار والنقاش بالحسنى؟.
لماذا يتم جر من يُظن في قوله الكفر إلى السجن ولا تتم دعوته لإجراء حوار علني حتى يتراجع عن آراءه بقناعة منه لا بسبب الخوف؟

ثم ماذا عن الجمهور، في هذا الجمهور العريض من تساوره الشكوك وتداهمه الإشكاليات، فيأخذ بكل ما في نفسه من وساوس للأزقة المظلمة خوفاً من حد الردة، وفي الأزقة المظلمة تتمدد الضلال ولا تنكمش، أم أننا لا نهتم بما في نفس الإنسان طالما هو يطل علينا بالمظهر الذي نرتضيه؟

قيمة الجهل



إن كان للعلم قيمة، فما قيمة الجهل؟ هل هو لا شيء، أم شيء لا قيمة له، أم شيء له قيمة لكنها تساوي صفرا؟ إن الجهل هو مصطلح أوجدناه لتعريف العلم عندما تساوي قيمته صفرا، إلى هنا لا تنتهي المسألة، لأن الجهل بهذا المعنى أبداً ليس صفرا، لأن الصفر عدد لا سالب ولا موجب، بينما الجهل أشبه بنبات يتشعب إلى كل الاتجاهات السالبة والموجبة.
كمثال: هنالك جاهل لأنه لا يعلم، وهنالك جاهل يعلم لكنه يكابر ولا يصدق، وهنالك جاهل لأنه لا يريد أن يعلم، وهنالك جاهل لأنه يخاف أن يعلم، كما أن هنالك من لا يعلم عن جهله، وهنالك من يعلم مقدار جهله، وهنالك من آثر الراحة من البداية فأهدى عقله لغيره يقوده كيفما شاء. كل هذه الأمثلة لتوضيح الجهل السالب والموجب، لا لإجابة السؤال عن قيمة الجهل، فما قيمة الجهل؟
حتى نعرف الإجابة، لنتخيل قرية نائية يُخوِف أهلها بعضهم البعض من الأفاعي، الآباء يُخوِفون أبناءهم من الأفاعي حتى يناموا، الزوج يُخوِف زوجته من الأفاعي حتى لا تخرج، وفي المجالس يتبادل الجميع قصصا مخيفة عن الأفاعي، مثل هذه الممارسات من شأنها أن تُحوِل الخوف إلى طبع، ومتى ما تحول الخوف إلى طبع سيكون النظام الاجتماعي قائما على هذا الخوف.
لنتخيل الآن أن شاباً من أهل هذه القرية هرب إلى المدينة، وهناك وجد الأفاعي في عُلب المختبرات يمسك بها الطلبة بلا مبالاة لتشريحها ودراستها، ثم وجد أطفالاً يضعون الأفاعي حول أعناقهم وهم مبتسمون من أجل التصوير، وعازفاً يعزف فترقص لعزفه الأفاعي. سيدرك هذا الشاب بعد فترة أن الأفاعي ليست مخيفة بذاتها إنما بجهل التعامل معها.
الآن أمام الشاب طريقان في حال قرر العودة إلى قريته، أولاً: أن يقوم بتعليم أهل القرية كيفية التعامل مع الأفاعي، إلا أن هذا الخيار ليس سهلاً لأن هنالك نظاما اجتماعيا قائما على هذا الجهل؛ مما يعني أنهم قد يرفضون هذا العلم حِفاظاً على نمط حياتهم. ثانياً: أن يقرر استثمار الجهل كقيمة تُحقِق له عدة منافع، منها وصفه بالعلم والشجاعة وهاتان خِصلتان من شأنهما أن تضمنا له صدر المجلس والمكانة الاجتماعية المرموقة.
إذاً.. للجهل قيمة حتماً، قيمة للجاهل نفسه الذي لا يريد أن يُعكِر نمط حياته بالعلم، قيمة يدركها العالم الذي قرر أن يحقق مصالحه بأي ثمن، قيمة للآباء حتى ينصاع لهم الأبناء، قيمة للزوج حتى تطيعه زوجته، قيمة تبني عليها القرية نظاما تعليميا متكاملا لتأصيل الخوف أكثر.
إن المكانة الاجتماعية التي نالها هذا الشاب تُؤهِله الآن أن يقوم بالإشراف على مواد التعليم، كما وتؤهله أن يزرع مخاوف جديدة تُعزِز الخوف من الأفعى، كالخوف من القرى الأخرى، الخوف من الآخر الغريب، الخوف من الأماكن الضيقة والمظلمة، الخوف من طرح الأسئلة حتى لا تقود الإجابات إلى جحور الأفاعي، سيضع له متسللين ومندسين ومتلصصين في كل مكان لمراقبة خط سير كل هذه المخاوف، إن الجهل بالنسبة له ما عاد قيمة فقط إنما أعلى القيم التي يجب الحفاظ عليها بأي ثمن.
في الأخير، سيجد أهل القرية أنفسهم في متاهة من المخاوف تُسيِّر حياتهم دون أن يعلموا أنهم في جهل، سيخافون حتى من المعرفة؛ لأن العالِم قد كفاهم شر المؤونة وليس عليهم إلا أن يسيروا خلفه، لكن إلى أين إن لم تكن الغاية هي الخروج من متاهة المخاوف التي بنيت حفاظاً على قيمة الجهل؟
ثم تتضح قيمة الجهل أكثر حين ندرك بأنه لو علِم أهل القرية كيفية التعامل مع الأفاعي فإن هذا العلم سيكشف لهم حقائق تاريخية وإجتماعية يشعرون أنهم في غنى عن الكشف عنها، ستتعرى الكثير من قيمهم كقيمة نظامهم الاجتماعي ونمطهم الحياتي وعاداتهم وتقاليدهم بالإضافة إلى قيمة الماضي التي ستتساوى حينها مع قيمتهم حاضراً!، ولا يوجد مجتمع سيتقبل تساقط كل هذه القيم ببساطة، لذلك ستنشأ الصراعات وتتحرك العصابات حتى تسيل الدماء في كل مكان.
بعضهم سيلعن المعرفة التي أوصلتهم إلى ما هم فيه من اقتتال، بعضهم الآخر سيلعن الجهل الذي أوصلهم إلى هذا الحال، ثم سيتقدم طرف ثالث فيخلط المعرفة بالجهل ليُرضي الطرفين ولن يرضى الطرفان بهذا الخلط الغبي. سيُخوِنون من يدعوهم لمزيد من العلم، ويُخوِنون من يدعوهم للعودة إلى الجهل. ستخرج فئة لتستورد الحلول من الماضي، وفئة أخرى لتستورد الحلول من الخارج، ليبدأ صراع جديد داخل الصراع الأول. سيصرخ بعضهم أخيراً: لا حل إلا بقتل الأفاعي!
وهكذا.. إن كانت للعلم قيمة فإن للجهل ألف قيمة وقيمة، إلا أن المدينة المتحضرة قد راهنت على قيمة العلم، بينما راهنت القرية البدائية النائية على الألف ألف قيمة للجهل، والذي يراهن على الألف قيمة للجهل كالذي يراهن على صمود أطنان القش أمام عود ثقاب.

شعراء الجن


ولولا أن القلب يميل، لقلنا: ما به من عيب. لكنه يميل على الدوام، ليس له من قرار، لا أرض يستقر عليها ولا جاذبية تحكمه، فيهيم تارة ويضطرب تارة، وتارات تتقاذفه نسائم الهواء، وإن القلب يميل هربا من وقائع الحياة، من كل هذا الضجر والصخب والضجيج، ومن هنا يستمد الجمال قيمته، ومن الجمال يستمد الشعر معناه، ومن المعنى يرسم الشاعر أبياته، وشاعر لا يُجيد رسم المعنى فمن حقه علينا أن نصفعه كما قال "البحتري".

وإن مما يُلفِت الأنظار، أن الهائمين في أودية الشعر كثيرا ما ينسبون بديع الشعر إلى الجن أما الركيك منه فيُلقُون به في وجه شاعرهم! إن هذا الربط بين بديع الشعر وبين عالم الجن فيه دلالة على مدى الحيرة والارتباك التي أصابتهم، حيرة جعلتهم ينسبون القصيدة إلى عالم آخر، عالم لا يُشبِه عالمنا، كأنهم يقولون بكل صراحة: لا قدرة لإنسان أن يأتي بكل هذه المعاني البديعة من تلقاء نفسه.

لكن شعراء الجن إنس، وكل القصائد بدأت وانتهت في عالم الإنس، كل ما في الأمر أننا ننسب بعض القصائد إلى الجن تماما كما نصف كل من سلته الغواني بأنه مسحور وبه مس، إن العاشق السالي مُغيب العقل والقصيدة البديعة تُغيب العقل، والجن تبرير جاهز عندما نعجز عن إيجاد تبرير منطقي عند غياب العقل، هذا كل ما في الأمر!

إن الشعر في معظمه عاطفة، وإن قراءة الشعر بمنطق وعقل ستُفقِده جماليته، وهذه ميزة الشعر وعيبه في آن، ميزة لأن عاطفيته تجعل القلوب تميل فنتلذذ بهذا الميلان، وعيبه لأن عاطفيته مجال خصب للخزعبلات والخرافات.

إننا لا نقول إن خلف بديع الشعر عقلاً ذا قدرة رهيبة على التخيل والإلمام بالحياة والوجود، وإن الشاعر استطاع توظيف كل هذا وتغليفه بإطار أدبي بديع مستندا على ما يمتلكه من ثراء لغوي، لو قلنا بهذا لفتحنا على أنفسنا بابا نبحث من خلاله عن طبيعة قدرات العقل ومَلكاته، لكننا لا نقول بكل هذا لأن عقلنة الشعر تخنقه.

هنا يتم استحضار الجن كتبرير عاطفي يفتح المجال على مصراعيه أمام الخيال - ملعب الشعراء والهائمين -، فالجِن عالم تخيلي الكائنات فيه لها قدرات خارقة تجعلها أهلاً لاستيعاب ما لا تستوعبه عقول الإنس، إننا نُحيل بديع الشعر الذي هو نِتاج عقلي إلى عالم الجن الذي هو أيضا نتاج عقلي وذلك هرباً من عقلنة الشعر، وكأننا لا نُريد للعقل أن يتدخل في عالم تحكمه القلوب، إن تدخل الجن - رغم عدم منطقيته - لا يُفقِد الشعر رونقه بينما العقل سيفعل بالشعر هذا وأكثر.

عموما، اليوم هنالك من شُعراء الخليج، من يُدرك أن لعملية ربط الشعر بعالم الجن دلالة على جودة القصيدة وثرائها بالمعاني والصور، ثراءً يجعل الجمهور يُحيِّل أمر قصيدته إلى ما فوق طاقات البشر وقدراتهم، وإن إدراك هؤلاء لهذه المعلومة جعلهم يحشرون الجن حشراً في قصائدهم، لا ليُقال إنهم ممسوسون رغم أن بعضهم كالممسوس فعلاً، لكن ليُقال: ما أبدع شعر هذا وما أروع قصائده.

القصيدة البديعة في الماضي كانت تترك حيرة في المتلقي، حيرة تجعله يُلقي بها إلى أحضان الجن هربا من عقلنتها، أما بعض شعراء اليوم فيستحضرون الجن في قصائدهم ويملؤون الأماكن الفارغة في القصيدة بكثير من الهرطقة والطلاسم المنتهية بالقافية نفسها، كل هذا لضمان التفاف أكبر عدد من الجمهور، وزيادة أعداد الجمهور من شأنها أن تُحقِق منافع جمّة.

بعض شعراء اليوم الممسوسين افتعالا، يسترزقون من الخرافات المُعششة في عقول البسطاء، يُلقي أحدهم قصيدة مُبهَمة مُلحَنة مُطعَمة بطلاسم علوية وسفلية، فيتلقفها البسطاء لينسِجون حولها الخزعبلات، والإكثار من ترديد الخزعبلات حول القصيدة كفيلاً بأخذها إلى عقول المتعلمين - الأدباء منهم والمثقفين - ومنهم إلى الإعلام المرئي منه والمقروء، وهكذا تصنع الهرطقة شاعرا مرموقا له صدر المجلس، يقول ما لا يفقه، ويصفقون على ما لا يفقهون.

ومن باب الأمانة يجب الإقرار أن بعض هؤلاء الشعراء لديهم مَلكَة الشعر حاضرة وبقوة، غير أنهم يوظفونها في غير مكانها لتحقيق منفعة ومصلحة، وربما لو أنهم وظفوها في مكانها حقا وإن أبدعوا حينها لأجلسناهم في آخر المجلس! المجتمع يُحب الطرق الملتوية "أدبيا وإعلاميا وسياسيا ودينيا"، أكثر الطرق اعوجاجا هنا أقصرها إلى المقدمة!

في الختام، يُقال من باب هضم الطعام: من يأكل لسان الذبيحة سيصبح شاعرا، وقد أكلنا ألسنة الخرفان والبعارين "مع اللغاليغ" ولم نخرج بخاطرة. ويُقال: إن الذهاب لبطون الأودية والأماكن المُوحِشة والمكوث في الغرف المظلمة سيضمن اللقاء بجني "يسفَّل بك لين تِشعِر"! وأقول: ليس لبلوغ الشعر طريق، إنه يأتي كموهبة ثم يَصقِلها الشاعر بالمعرفة وسعة الاطلاع، ما عدا هذا فتأتي به حبوب الهلوسة.

أين الله؟


يظل الإنسان تائهاً مشتتاً باحثاً، يسأل عن الله والله موجود في سؤاله، إننا لا نسأل: أين العنقاء لعلمنا أنها أسطورة لا وجود لها، ولو سأل سائل هذا السؤال لحوى سؤاله قناعة بأن العنقاء حقيقة بالنسبة إليه لكنها تحتاج إلى إثبات -ولله المثل الأعلى-، سبحانه موجود حتى في عقل وكيان أعتى المشككين فيه، ودليل وجوده هو تشكيكهم فيه وبحثهم الدائم عنه، وإلا فلا أحد ينشغل بالبحث عن شيء إن كان مقتنعاً فعلاً بعدم وجوده، بمعنى آخر: أين الله؟ سؤال يقود إلى أن السائل غير مقتنع بفكرة عدم وجود إله.

أين الله؟. إنه -سبحانه- في التشابه بين الذرة داخل الخلية وبين المجموعة الشمسية وتشابه الاثنين والمجرة، دائماً هنالك نواة تدور حولها أجسام، لا شيء من هؤلاء بلا نواة ولا نواة في هؤلاء بلا قدرة جذب تحافظ بها على دوران الأجسام حولها في أفلاك محددة، المجموعات الشمسية تدور في أفلاكها حول نواة المجرة، الكواكب تدور في أفلاكها حول الشموس، الإلكترونات تدور في أفلاكها حول نواة الذرة (وكلٌ في فُلكٍ يسبحون)، ولو كان كل هذا من عند غير الله لوُجِد فيه اختلاف كبير.

أين الله؟. إنه -سبحانه- في الشفرات التي يحتويها الحمض النووي، حروف محددة تتشكل إلى عدد لا نهائي من الشفرات لتُشكِل بدورها كل أشكال الحياة، تغيير بسيط (1%) في هذه الشفرة أنتج كائنين مختلفين، أحدهما فأر والآخر إنسان! الأمر أشبه بعمل الحاسوب الذي يقرأ لغة البرمجة الأساسية (الـ 0 والـ 1) ثم يحولها إلى كل هذه البرمجيات الحاسوبية المختلفة، إنها نفس الحروف مدونة في كل الخلايا بطرق مختلفة لتُنتِج هذا العدد اللانهائي من أشكال الحياة، عملية معقدة بديعة تقودنا إلى أن خلف هذه الشفرات ذاتاً واعية.

أين الله؟. يُنسب إلى الإمام علي -كرم الله وجهه- بيت جميل يقول فيه: أتحسب أنك جرم صغير = وفيك انطوى العالم الأكبر. إن الإنسان حين يتأمل في تكوين جسده سيجده كوناً مستقلاً فيه أسرار وعجائب تفوق ما نعرفه عن الكون الفسيح، إن الخلية في جسد الإنسان، على ضآلتها، شديدة التعقيد كأنها مدينة تعج بالبشر، لكل فرد دوره المُحدد، فيها "الخلية" التي هي نظام اتصال لنقل المعلومات ومصنع لإنتاج الطاقة، إنها أكثر تعقيداً من مدينة مزدحمة تعمل بمعزل عن معرفة الإنسان فضلاً عن إرادته، كل هذا في خلية واحدة وجسد الإنسان يتكون من مليارات الخلايا تتجمع كما تتجمع الكواكب لتشكل الكون الفسيح، هنا من غير المنطقي ألا يُقال: سبحان الله.

الجنين في الرحم بدء كنطفة، هذه النطفة تحمل كل صفات المخلوق الذي ستكون عليه غداً، فتنقسم إلى خليتين كلاهما يحتفظ بكل مزاياه ثم إلى أربع فثمان إلى أن ينتهي الأمر بكائن حي مكتمل النمو، المخ والقلب والرئتان والعينان وكل شيء بدأ من خلية. البذرة التي تدفن في الأرض لتغدو شجرة تمتد إلى السماء تحتفظ بكل صفات النبات في داخلها على صغر حجمها، هنالك ملفات مُخزنة في كل خلية تحتوي كامل المعلومات عن الكائن، وكأن الحياة تحتفظ بنسخٍ عن نفسها في كل جزء من أجزائها، حتماً هنالك بديع أبدع كل هذا، وأي رأي غير القول بوجود خالق حكيم قدير فيه إسفاف بمعجزة الوجود.

إن الله -سبحانه- ليس في الذرة أو الخلية أو الكواكب والمجرات، فكل هذه أجزاء تتجمع لتشكل لوحة الوجود المنضبط المحكم الدقيق بلا خلل، حتى ما يفسره الإنسان بأنه فوضى هو في الحقيقة منضبط غاية الانضباط، وله هدف وإن لم تُدركه العقول، الكويكبات التي ضربت الأرض في بداية نشوئها حملت الماء، ولو أن الإنسان عاصر هذه العملية لوصفها بأنها ضربات فوضوية لا هدف منها.

إن معجزة هذا الوجود ليست في ما يشذ عن القاعدة، ليست في أن تتحول النار إلى برد وسلام، أو في خروج ناقة من الصخور، أو في تحول العصا إلى حية تسعى. إن تلك المعجزات التي أتى بها الأنبياء -عليهم السلام- هي خرق للنظام، شيء يظهر على غير المألوف ليُؤمِن الإنسان الكفور، ولو تمعن الإنسان ولم يكابر لوجد المعجزة الحقة أمامه تحدث كل يوم وكل لحظة، إن المعجزة في كل هذا الانضباط، في الشمس التي لم تدرك القمر، في الليل الذي لم يسبق النهار، ملايين السنين ولم يحدث أي خلل في تعاقب الليل والنهار، هذه هي المعجزة.

لكن الإنسان قد ألف الحياة واعتادها، لهذا ما عاد يدهشه الوجود، فيبحث عن دليل على وجود الله متناسياً أن تناسق هذا الوجود أمامه أعظم دليل، إن الأمر لا يحتاج إلى طرح سؤال: أين الله؟ إنما يحتاج أن نقرأ أن نتأمل ونتدبر، فإن لم تر الله في كل هذا فإنه يراك ويحيط بك من كل اتجاه، حتى داخل عقل وكيان من يزعم أنه لا يؤمن بوجود إله.

القصيمي الذي حاربناه


إن الإنسان ليس بسمكٍ نافِق، ولا قِطعةِ خشب يتقاذفها التيار كيفما شاء، إنه إنسان. ولأنه إنسان فمن الطبيعي أن يجرِفهُ التيار أحياناً ثم يُقاوِم الانجراف، أما من يستسلم للتيار يتلاعب به كيفما كان، فهذا لا يختلف عن السمكِ النافق أو عن قِطعةِ خشبٍ مُلقاة. وإن كان السائِد تياراً فإن السائرون عكس التيار كثيراً ما شكلوا تياراتٍ مُعاكِسه، لتتجمع العِصابات من كل اتجاه وتلتقى لتتصادم فقط، مُكوِنةً حولها مواجهات مريرة تجعل ثقافة الجميع ثقافة إقصائية الكل فيها يبحث عن مأوى يأويه -فالوضع أشبه بحرب- وفي الحرب لِزاماً على الجميع إما أن يكون "مع أو ضد" فالحِيّاد هلاك. إن الكل في معمعة الصراعات لا يُؤمِن بوجود حياة طبيعية خارج هذه التيارات، رغم أن الحياة الطبيعية هي تحديداً خارج فوضى هذه التيارات، هناك على حافة النهر.
وقد يكون "عبدالله القصيمي" أحد الذين أرادوا الوصول إلى حافة النهر، لكن هل نجح في الوصول أم لا؟، فربما قذفت به جميع التيارات حتى نجح في الوصول، وربما ظل يُصارِع كل التيارات إلى أن فشل في الوصول؟!، لقد حارب الجميع، وحاربه الجميع، حاربهم لأنه ليس "مع أو ضد" وحاربوه لعدم استيعابهم كيف لا يكون "مع أو ضد". تقدم ليُعري الجميع، وتقدموا لتكفيره والاستهزاء به، تبرؤا منه وتبرء منهم، ولا يزال الصِراع مُستمراً إلى اليوم!
كل التيارات المُتلاطِمة من كل اتجاه شنت الهجوم عليه واستصغار أفكارِه، لا لشيء إلا لأنهم كرِهوا أن يخرج بدوي من خلف كُثبانِ الرمل ليطرح أفكاراً أكبر منه ومن بيئته، الكل لا يُريد أن تخرج من خلف الكثبان إلا الأفكار البسيطة أو الأشواك، الكل تأقلم مع فِكرة أن رِمال الصحراء لا يجب أن تُنبِت إلا الأشواك أو اللاشيء، لهذا اتفقوا أنه من الأفضل للجميع عدم تشجيع "القصيمي" حتى لا تخرج من خلف كثبان الرمل عقليات أكثر حِدةً وغضب منه.
أما الاتهامات التي نالت القصيمي، فكأنها قد أطلقت عليه ليرتاح الجميع من عناء البحث خلفه، قالوا أنه فُتِن وأنه هلُك وضل وتاه وأصابه الخَبَال، أرادوا أن يُلصِقوا به أي تُهمة حتى يُطمئِنوا أنفسهم بأن الخلل فيه لا فيهم. إن المُفكِرين يا سادة يتعاملون مع الأفكار كما يعمل الكيميائي في مختبرِه، يُجرِب أكثر من تركيبة ويخلِط أكثر من عنصر كيميائي حتى يخرج بالتركيبة الصحيحة، إلا أن المُفكِر لا يصل للحقيقة لإيمانه بأن الغاية هُنا ليست الوصول إنما مجرد البحث عن الحقيقة هو الغاية، هذا البحث عن المعنى هو ما يُضفي لحياته معنى، هذا البحث الشاق يجعل المُفكِر يُؤمِن بكل شيء ثم لا يُؤمِن بأي شيء، يُفكِر بعقلية كلها شك رغم أنه على يقين. لهذا، أن يُوصف "القصيمي" بأن له توجهً مُحدد كأن نقول بأن ليس في الكِيمياء إلا عُنصراً واحد!.
أدرك أن للقصيمي أخطاء، وأنه ليس بتلك العقلية التي أعادت ترتيب أفكارنا، ولست هنا لأتغنى به، إنما لأبيِّن أننا نخسر الكثير وراء مُعادات المُفكرين، إن الأرحام لم تتوقف أبداً عن إنجاب المُفكرين لكن الوضع العام يئِدُ كل من يُفكِر قبل أن تُراوِده فِكرة أن يُفكِر!. كُل تياراً لديه ضوابطً يُقيد بها العقل، ثم يعتقد كل تيار أن ضوابِطهُ هي الأحق بالالتزام، ومن أجل فرض هذه الضوابط تم إنشاء "محاكم تفتيش" داخل عقل الإنسان مهمتها وأدُ الفِكرة قبل نشوء الفكرة!. هذا هو بيت الداء، الضوابط التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي نجحت في جعل العقل العربي عدائياً على الدوام.
إن الأمم لا تنهض إلا حين تتنحى عن طريق المفكرين، حين تتركهم يُفكرون بهدوء، وهي لا تتركهم يُفكِرون بهدوء لأنهم يُفكِرون بعيداً عن ضوابط الجميع!، إن أي أمة تُعادي المُفكرين سيُشغِلُها أمر مُعاداتِهِم عن أي تقدم للأمام، أي أمة تترك الجُهّال يركضون خلف المفكرين بالحجارة ستنحدِر أكثر، لأنها بهذا تكون قد ولّت أمرها بيد من لا يُفكِر إنما بني قناعاته بالتلقين.
القصيمي أو غيره من المفكرين، هل هم الشياطين فعلاً أم إن الشياطين نجحت في جعلنا نستعيذ بالله من المُفكرين؟. هذا "ابن رشد" مات منفياً، و "الأندلسي" مات مقهوراً، و "ابن المفقع" مات محروقاً، و "الحلاج" مات مصلوباً، وقاتل "فرج فودة" لم يقرأ له كلمة واحدة لكنه تقدم لقتله إحقاقاً للحق!، أي حق هذا؟.
هل نخاف من اللامألوف الذي يطرحه المُفكِر، أم نخاف أن نكتشف بأن المألوف الذي ألِفناه "مقيت"؟. هل نخاف من المُفكِر، أم نخاف أن يأتي بفِكرة يُحرِك بها الماء الآسِّن؟. هل نخاف أن يتمادى المُفكِر في كشف الحقائق، أم نخاف أن يكشف عن حقيقتنا التي نسترها  بملائكية كاذبة؟، أم يُريدنا الجُهّال أن ننفض التراب الذي خُلِقنا منه؟ .. ما الذي يُخيفنا في المُفكِرين بالضبط؟، ولماذا كُلما أطل أحدهم علينا حاربناه؟

القانون والمغفلون!

تتضاءل المدينة شيئاً فشيئاً تحت أقدام المسافر، فينظر إليها قبل أن تتقزم وتختفي عن ناظريه تحت السحاب ليفاجأ بأن مدينته أصبحت بحجم علبة سردين، الزحام الخانق فيها لم يخلق أُلفة ومودة بين المتزاحمين، لأن هنالك مفهوما درج في مجتمعه العربي أن القانون لا ولن يحمي المغفلين، مما حدا بالأفراد أن يكون همسهم ريِبة وتبادلهم للنظرات احترازاً ولغتهم مشبعة بالاستظراف المصطَنع، ومشاعرهم مجرد وسيلة تنتهي بتحقيق مصلحة، كل هذا حتى لا يوصف أحدهم بالمغفل فيتجاهله القانون!
راحت الأسئلة والأفكار تنهال عليه، حتى أصبح صدره ضيقا حرجا لا مجال لانشراحه بمنظر السحب أمامه، ولم يدرِ هل وجوده بين السحاب حلم، أم إنه قد أفاق للتو من كابوس؟ كيف بالقانون الذي لا يحمي المغفلين، ينجح في حماية المفسدين بكل جدارة؟! هل الفاسد إنسان حريص جدا، يجيد التحايل على القانون بكل حرفية ومهارة؟ أم إنه مجرد مغفل ساذج قد وهبه القانون حق الافتراس؟ كقانون الغاب الذي أعطى الحيوان المفترس حق الافتراس في كل حالاته، سواء كان قادراً أو عاجزاً، وعلى المتضرر "الفريسة" اللجؤ إلى الحفَر والخنادق للاختباء.. أو أن يتعلم فن الفهلوة والتلون والتمويه لتجنب الافتراس قدر المستطاع. وفي بلاد العرب، فالأمر لا يختلف كثيراً، لأن القانون يهب الفاسِد حق الإفساد بغض النظر عن سذاجته أو رجاحة عقله، وبهذا فالفاسد لا يتحايل على القانون إنما يمارس إفساده بِرِعاية القانون! والقانون الذي يهب الفاسد حق الإفساد لا بد أن يترك الباب مواربا ليستطيع الضحية أن يتحلى بشيء من الفهلوة والقدرة على التلون حتى يخلص بعض حقوقه من أيادي المترفين!
انقشعت السحب فظهر المُحيط الشاسِع من تحتها أزرق، كمِرآة مصقولة. نظر المسافر فرأى مدينته تحت هذا المُحيط، حيث القوي يأكل الضعيف، والمساحة المفتوحة لا تترك للضعيف مجالاً للهرب أو الاختباء، والانسجام الظاهر يُخبىء تحته صراعاً دامياً يخوضه "المُغفلون" بينما هم يُؤدون أدوار الفهلوة بكل سذاجة، دون أن يُدرِكوا أن القانون لن يُعطيهم حق الافتراس، إنما اقْتِيات رزق الأصغر فقط! هذا الصراع اليومي من الطبيعي أن يخلف وراءه أفرادا مصابين بشتى الأمراض والعِلل، من ضغط وسكر وجلطات وأرق وقلق ووسوسة وعنف أسري ومشاكل أخلاقية، فالأفراد هنا نصفهم يشعر بأنه مغفل، لأن القانون لم يحمه حتى الآن ولن يحميه، والنصف الآخر أرهقته الفهلوة وأتعبه الجري في كل مكان لانتهاز الفُرص المتساقطة من موائد المترفين!
لم يستفق صاحبنا من خيالاته إلا على ارتجاج الطائرة وإعلان الطيار عن الوصول. وفور توقف الطائرة أخذ يُلملِم أغراضه للخروج.. مضى على مكوثه في هذه المدينة بضعة أيام، شاهد خلالها مجتمعاً لا يتصنع أفراده الابتسامة، وينطلقون في تصرفاتهم بكل عفوية، لم يجد أحداً هنا يشتري شهادات وهمية، ولم يسمع عن مناقصات تتم في الباطن، لم يُشاهِد تجمعاً لآلاف العاطلين، لم يُصادف شخصاً يبتسم ابتسامة صفراء فيفهم منها الآخر أن المعاملة لن تتم إلا برشوة معتبرة.. شاهد هنا أشياء جعلته يستغرب، فخاطب أحد المارة: إنكم تتصرفون في هذه البلاد بطريقة فيها الكثير من السذاجة، تبتسمون ببلاهة، وتتحدثون بلا احتراز! إن القليل من الحرص واجب، فالقانون لا يحمي المغفلين، فما السر في هذه التصرفات؟
ابتسم المار وقال: السر كله في القانون! صحيح أننا مجتمع فيه نصابون، وفيه أناس يحترفون قطع الأرزاق، ولدينا مشاكلنا التي تفرضها طبيعة الحياة في المدينة كأي مدينة أخرى، نحن نشبِهكم أنتم العرب كثيراً، لكننا نختلف عنكم في أمرين، الأمر الأول: أن القانون هنا وُضع أساساً لحماية من تُطلِقون عليهم مُغفلين، بينما ننظر نحن إليهم أنهم أصحاب ضمير وأخلاق وطيبة قلب، وهؤلاء من يستحقون الحماية قانونياً قبل أي أحد آخر، لأن القانون الذي لا يحمي هؤلاء فهو ببساطة سيحمي من يستغل نقاء سريرتهم، الأمر الثاني: أن القانون هنا يُطبق على كل نصاب وفهلوي من أي فئة من فئات المجتمع دون مجاملة أو تمييز. نحن لسنا مجتمعا ملائكيا، بل وتكثر بيننا الشياطين، غير أنه لا أحد من تلك الشياطين يعتقد بأن من حقه، قانونياً، أن يكون شيطانا! وهذا هو السر في حالة الطمأنينة التي تراها على وجوه الجميع هنا، فالكل يؤمِن بسيادية القانون ولا مجال للمحاباة عند التطبيق.
إن أي خلل في تطبيق القانون سيقسم المجتمع فوراً إلى ثلاث فئات، فئة مفترِسة، وفئة متلونة تجيد الفهلوة، وفئة ثالثة ساخطة على باقي الفِئات.
يرى "علي عزت بيجوفيتش" أن الهدف النهائي من القانون ليس العقوبة أو المنع أو الفرض أو حتى التحسين، إنما الهدف الجوهري هو خلق توازن أخلاقي في المجتمع.. كما يرى أن القوانين إذا كثرت وتراكمت وتعطلت، فينبغي عندئذ أن تتوقف الدولة عن إصدار أي قوانين جديدة لن تزيد الأمر إلا سوءا، وأن يبدأ الحكماء والمفكرون فوراً في إعادة تربية المجتمع من جديد!