‏إظهار الرسائل ذات التسميات إجتماعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إجتماعية. إظهار كافة الرسائل

حدثني ثقة


حدثني ثقة، عن رجلاً يثق به، أن أحد الأحبة أخبره ذات يوم، بأنه قد قرأ في إحدى الكتب التي لا يحضره إسمها الآن، كلاماً قاله أحد العلماء الثقات، بأن أبرز علامات جهل المرء أن يصدق كل حديث يبدأه المتحدث بعبارة "حدثني ثقة" أو ما شابهها من عبارات على شاكلة "حدثني أحد الأحبة"  أو "سمعت عن أحد الفضلاء" أو "أثبتت الدراسات العلمية" أو "قرأت في إحدى الكتب التي لا يحضرني اسمها الآن" ... إلخ من العبارات التي لا يقولها المتحدث للتأكيد على صحة ما يتحدث به إنما كي يوهم المستمع أن ما يقوله صحيح ولا غبار عليه، وإن كان ينطق بهراءٍ لا جدال فيه.
كأن يورد قصصاً عن طائر لقلق قتل أنثاه لأنه شك في شرفها، أو عن فتاةٍ أدمنت سماع الأغاني وحين وافتها المنية قالت: أشهد أن لا إله إلا الغناء.

كذلك حدثني ثقة بسندٍ مهترئ مهلهل أن الواجب على الجمهور أن يحيل كل ما يأتي بعد عبارة "حدثني ثقة" لسلة الأكاذيب مع تنبيه قائلها على أن سنده مهترئ مهلهل لا يعتد به بأي حال، فإن لم يفعل الجمهور كما لا يفعلون دائماً حين يفضلون تصديق محدثهم وتنزيهه ثم تنزيه أحاديثه عن كل معيبة، فهذا في حقيقة الأمر ليس ثقةً منهم في محدثهم الفاضل إنما لأنهم يعيشون النتيجة المنطقية والطبيعية لعمليات التجهيل المنظمة والتي خضعوا لها على مدى عقود، تجهيلاً بدء بتحريم الفلسفة وتدريس المنطق ونبذ إعمال العقل وكراهية طرح الأسئلة، إلخ من المساوئ التي من الطبيعي جداً أن تنتج عقولاً تتقبل برحابة صدر كل هُراءٍ لا يمكن قبوله أبداً، والأدهى أنهم لا يقفون فقط عند تقبله إنما يضعونه في خانة المسلمات التي لا يجوز التشكيك فيها أبداً !!.

ومما حدثني به أحد الثقات أيضاً، أن الثقة التي يمنحها المتحدث لمن ينقل عنه قد لا تكون في محلها، فقد يكون ناقل المعلومة كاذباً بطبعه لكنه يمثل دور الصادق فينقل بمراوغة، أو أن يكون ناقل المعلومة رجلاً فاضلاً لكنه يجهل بأن المعلومة التي يحملها لا قيمة لها، والإعتبارات متعددة هنا، لهذا وجب على المتحدث أن يبين إسم وحال ناقل المعلومة كي يتبين الأخرين في أمر من ينقل عنه، أكذابٌ هو أم صادقٌ أم أرعن يطير بكل معلومة على علاتها، فإن حدث وبين المتحدث إسم وحال الثقة الذي ينقل عنه ثم تبين للأخرين بعد التمحيص أن ناقل المعلومة فعلاً رجلاً صادقاً نزيهاً، فالمفترض حينها أن لا يتم قبول المعلومة فوراً إنما يتم نقلها لمرحلة التدقيق والفحص للتعرف على منطقيتها ومعقوليتها، بعد كل هذه العملية يأتي التقرير إما بالرفض أو القبول.

كل هذه العمليات من تمحيص وتدقيق وفحص وإطالة نظر، تجري إن كشف المتحدث عن هوية من ينقل عنه ثِقةً فيه، فكيف الحال وعبارة "حدثني ثقة" باتت تقال دون أن يكون خلفها شخصاً بعينه ؟!، دعاةً ووعاظ وخطباء يسترسلون في الحديث مبتدئين بعبارة "حدثني ثقة" وليس خلفها إلا أشباح، يرددون العبارة وكأنها نوعاً من أنواع القسم والحلف أو لتجنب الإكثار من القسم والحلف، والهدف هو إيهام المستمع بأن ما سيقال تالياً حتماً صحيح ولا غبار عليه بدلالة أنه منقول عن رجلاً ما مجهولاً لكنه من أهل الثقات الفضلاء، إنها عبارة باتت تقال إنسياقاً خلف عاطفة الجمهور أو جراً لهذه العاطفة في إتجاهات محددة، وطالما الكرة بالكامل في ملعب العاطفة فلتُضرب المصداقية والأمانة عرض الحائط، غير مأسوفٍ عليهما.

الآن ما الحل لهذه المعضلة؟، فالثقة المنقول عنه شبح، بمعنى أنه في الغالب لا يوجد ناقل للمعلومة من الأساس، فما الحل ؟!.
إن طالبنا باسم الثقة بغرض التوثق فلن يتم الكشف عنه لا عمداً ولا جهلاً من المتحدث إنما لأنه ينطق بعبارة "حدثني ثقة" وكأنه يُقسِم، وسيُقسِم هذا وإن كان كاذب، فما الحل ؟!
الحل أن نتجاوز مسألة البحث عن إسم وحال الثقة ناقل المعلومة وننشغل بفحص والتدقيق في المعلومة ذاتها، للتعرف على منطقيتها ومعقوليتها، فإن فعلنا سنلاحظ فوراً بأن كل حديث يأتي بعد "حدثني ثقة" يصب في إتجاهات محددة، إما عن النساء، عن تلك التي لبست العباءة على الكتف والأخرى التي عملت في مكان مختلط، أو عن الموسيقى والفن وحال الفنانين، أو عن ملائكة تقاتل في المعارك، أي أنها في الغالب خزعبلات تُقال لإثارة مشاعر وعواطف الجمهور، إنها عملية لا مراعاة فيها حتى لقول النبي –عليه الصلاة والسلام- [كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع].


إن القرآن هو مصدر التشريع الأول، تليه الأحاديث الصحيحة، وهنالك القرآنين الذين يطالبون بإحالة حتى الصحيح من الأحاديث إلى القرآن فما خالفه فيرد، وحجتهم أن القرآن هو المعيار الأساس ولا يجوز تقديم مصدراً آخراً عليه أو حتى مساواته به، الإشكالية التي ظهرت لاحقاً أن هنالك من راح يأخذ بكلام الرجال من مفسرين وشراح أنه مصدراً للتشريع مساوي وأحياناً مقدم على القرآن والسنة، والخوف أن يأتي زمناً يصبح فيه ( الكيس ) مصدر تشريع يعتد به، أن يأتي داعية أو واعظ ليُشرِع للناس من ( الكيس ) وأداته الوحيدة أن يبتدئ حديثه ببضع عبارات على وزن "حدثني ثقة" والله المستعان.

التغيير والوهم

 

ما الذي يحدث في المجتمع السعودي ؟!.
حفلات .. مسارح .. اختلاط .. سينما .. سماح للمرأة بقيادة السيارة وحضور للملاعب ... إلخ.
تغييرات كثيرة حدثت فعلياُ وأخرى أكثر قادمة، فما هو الدافع لكل هذا ؟!.
حسناً، نستطيع أن نقول في هذا الموضوع كلاماً يجذب أكثر الناس ويستهويهم، بل وينال قائله عبارات الشكر الجزيل، كأن نقول مثلاً بأننا نعيش مؤامرة كبرى على هذه البلاد، وأن الغرب الحاقد يريد إخراج المرأة من عفتها كي يسقط المجتمع تِباعاً في وحل الانحطاط، وأننا آخر حصون الدين وعلينا أن نقف صفاً واحداً أمام هذه الهجمة الإمبريالية الشرسة .. إلخ من هذا الكلام الفارغ الذي يجذب الناس دائماً كونه كلاماً عاطفيا يضع اللوم على قوى خارجية ويبرئ ساحة المجتمع، لهذا فهو خطاب يعجب هؤلاء.
حسنا، ماذا عن الكلام الذي يغضب الناس، والذي يغضبهم بالطبع هو أن نقول لهم بأن الخلل أولاً وأخيراً، فيهم ومنهم.
والخلل الذي يعتبر أحد الدوافع وراء كل هذه التغييرات اليوم، أننا مجتمع عاش آخر أربعين عام بالكامل على الأوهام، والوهم من صفاته أنه إذا دخل في مجتمع فينتشر بسرعة، وبنفس السرعة يتحول لقناعات ومبادئ راسخة، ثم يستلم المجتمع هذه القناعات الراسخة ليبني عليها نظام اجتماعي متكامل، وهذا بالضبط ما حصل، أننا لأربعين عاماً قد سمحنا للأوهام بأن تسيطر علينا وتؤثر فينا، وأننا فعلاً حولنا أوهامنا لقناعات ومبادئ حرمّنا حتى التشكيك فيها، ثم إننا فعلاً بنينا نظام اجتماعي متكامل على هذه الأوهام، غيرنا في سياسات التعليم مثلاً وفي أساليب التربية وشكل الثقافة حتى في طبيعة تواجدنا في الأماكن العامة.

من أبرز الأوهام التي سيطرت علينا، توهُمنا بأن جهاز «هيئة الأمر بالمعروف» هو صمام الأمان الوحيد للمجتمع، وهذا الوهم بدوره تفرعت عنه أوهاماً لا حصر لها، أبرزها أن زوال هذا الجهاز يعني بالضرورة دخول المجتمع في نفق شهواني لا يأمن فيه الزوج على زوجته ولا الأخ على أخته.
من الأوهام أيضاً أننا توهمنا بأن الواجب الشرعي على المرأة يُحتِّم عليها أن تقِر في بيتها أسوةً بالصحابيات، رغم أن الصحابيات –رضوان الله عليهن- لم يقِرن في بيوتهن طيلة الوقت، إنما خرجن للتجارة وشاركن في الغزوات، وكانت لهن آراء ومواقف قوية في الشأن السياسي والاجتماعي، ما يعني أننا بنينا توهمنا عن المرأة السعودية بناءً على توهمنا بأن الصحابيات كلهن نسخة عن (مريم بنت عمران) -عليها السلام-، أي أنهن –الصحابيات- اعتزلن الحياة الاجتماعية وجلسن في بيوتهن طيلة الوقت، ونتيجة لهذا الوهم المركَّب تحولت المرأة السعودية من كائن حي لجوهرة وذرة وحلاوة مغلفة، المهم أنها ليست إنساناً سويا.
من الأوهام أيضاً، وهو وهم معاكس لتوهمنا عن المرأة، ففي الوقت الذي تخيلنا فيه المرأة جوهرة مصونة، توهمنا بأن الشاب في حقيقته ليس إلا كائن شهواني بالفطرة، أنه ذئب بشري يهيج إذا صادف فتاةً تمر من أمامه، والغريب في هذا الوهم أن المقتنعين به يرفضون معظم الحلول المقدمة للحد من التحرش، لأنهم أيضاً يتوهمون بأن قانون مثل قانون منع التحرش يخالف الشريعة الإسلامية، وهكذا رغم التوهم بأن المجتمع يتكون من جواهر وحملان توهموا بأن الحلول المنطقية لمنع أذى الذئب عن الحمل الوديع يعتبر رذيلة !!.
هكذا يتشعب الوهم في كل اتجاه بنفس السرعة التي ينتشر بها داخل المجتمع.

هذه بعض أوهامنا التي حولناها لقناعات راسخة فعلاً، بل وغيرنا بها النظام الاجتماعي بالكامل، ومجتمع عاش على هذا المنوال سنين عديدة، فمن الطبيعي أن يخضع في الأخير لتغييرات صادمة ومفاجئة، وفي الحقيقة أحد الأهداف من كل هذه التغييرات أن تكون صادمة ومفاجئة للمجتمع، لأننا أوصلنا أنفسنا لمرحلة كان لا بد فيها وأن نخضع لعلاج بالصدمات، والعلاج بالصدمات فعّال في حال فقد المريض قدرته على التمييز بين الوهم والحقيقة.

وللتدليل على أننا في مرحلة العلاج بالصدمات، يكفي أن نتأمل في طريقة تعاملنا مع كل قرار وتغيير، لنكتشف بأننا نسير دوماً في نمط واحد لا يتغير، فنحن في البداية نصدم حين نسمع بتغيير قادم، ونصدم أثناء التغيير، ثم نصدم بعد التغيير .. كمثال، حين علمنا بأن هيئة الأمر بالمعروف سيتم ترشيد عملها شعرنا بالصدمة، هذه الصدمة جعلتنا نعيد إحياء أوهام السنين، وافترضنا الأسوأ، بمعنى لو حدث هذا الأمر فحتماً ستحدث كوارث، كأن ينتشر الفجور في كل مكان، ويخرج التحرش عن السيطرة، وبعد أن تم ترشيد عمل الهيئة فعلاً، حينها شعرنا بالصدمة الأخيرة، كيف أن كل ما أقسمنا على حدوثه لم يحدث أي شيئاً منه، والصدمة هذه المرة سببها اكتشافنا بأن ما آمنا به كمسلمات هو في حقيقته مجرد أوهام وخزعبلات، وعلى هذا النمط مضينا مع كل تغيير.
دائماً نصدم فور سماعنا بحدوث تغيير قادم، ودائماً الصدمة تجعلنا نفترض الأسوأ، وفي الأخير نصدم حين تتهاوى قناعاتنا الراسخة رسوخ الجبال، وفي رأيي أن أحد الفوائد من كل هذه التغييرات أن يستيقظ الجميع، أن يكتشفوا بأن ما يرونه حقيقة ماثلة أمامهم قد لا يعدو كونه سراب، حينها سيعود المجتمع للحالة الطبيعية، وهذا لا يعني أننا سنصبح مجتمعا مثاليا إنما سنكون مجتمعا خاليا من الأوهام، أو مجتمعا نسبة الأوهام فيه طبيعية.


ختاماً، إن الهدف كان ولا يزال من زرع الأوهام في المجتمع هو أن يظل الجميع في حالة خوف وقلق دائم، خوف وقلق من كل شيء وعلى كل شيء، وأن يفقد الناس ثقتهم في كل شيء، في أنفسهم وفي وطنهم ودينهم، والمجتمع الخائف يعتبر فريسة سهلة للضباع، المجتمع الذي يفقد أفراده ثقتهم في كل شيء هو مجال ممتاز ليستثمر فيه المرضى، وما أكثر المرضى الذين استثمروا فعلاً في مجتمعنا لسنين طويلة، وفعلاً حققوا الأرباح، هؤلاء المتربحون من الوهم هم من يتزعم اليوم لعن أي تغيير.

العصا يا شيخ ليست خيزرانة

 



معالي الشيخ "عبدالله المطلق" –جزاه الله خيراً- ينصح بعودة الضرب التأديبي للمدارس، موضحاً أنه ضرب منضبط بضوابط محددة هدفه كسر عنتريات بعض الطلبة.
حسناً، لنفترض أن وزارة التعليم فعلاً أصدرت قراراً يسمح لإدارات المدارس بمعاقبة الطالب بالضرب، وأنها صرفت لكل إدارة مدرسية حزمة خيزران، ولنفترض أن الطالب المسيء نال العقوبة فعلاً وأنضرب لين عض الأرض، فهل راح تنحل المشكلة؟!.

في البداية، هي نقطتين وجب التنويه عليها،،
النقطة الأولى أن كون الطالب يقف موقف الند للند أمام المعلم فهذه أبداً ليست بمشكلة، إلا إن أردنا التعامل معها كمشكلة، المسألة تشبه استنكار الشيخ إذا عارضه أتباعه، أو المثقف إذا ناقشه قراءه، وهذه ليست مشكلة إلا عند السادة المستنكرين أنفسهم.
النقطة الثانية هي أن الطالب ليس وحده من يقف اليوم موقف الند للند أمام المعلم، إنما يشاركه في هذا الأمر كل شاب وفتاة، بمعنى أن الشباب يقفون اليوم أنداداً أقوياء أمام الشيخ والمثقف والمعلم والكاتب، أمام الوزير والأمير، بالمختصر الأبناء اليوم أنداداً لأبائهم وهذه حقيقة علينا تقبلها برحابة صدر.

الآن، ما هي المشكلة؟!.
المشكلة في حقيقتها ليست عند الطالب ولا المعلم، المشكلة عند وزارة التعليم التي لم تنتبه في عام 1999م للواقع الجديد الذي سيقبل عليه المجتمع السعودي، ففي ذلك العام سمحت الحكومة بموجب قرار وزاري للمجتمع أن يستفيد من خدمات الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) وتلك هي اللحظات الأولى التي بدأ فيها الإنفجار المعلوماتي المعرفي الذي لم تحسب له الوزارة أي حساب، لم تنتبه لحقيقة أن أول من سيتلقى هذا الإنفجار ويتعامل مع كل هذا الكم من المعلومات هم الشباب.
غفلة الوزارة هي ما جعلت أشخاصاً فضلاء أمثال الشيخ "عبدالله المطلق" يستنكر كما يستنكر الكثيرون كيف تكون للطالب هيبة أمام المعلم، وكما أسلفت، هذه الهيبة للشباب عموماً ليست مشكلة، لأن هؤلاء هم الأكثر معرفة وقدرة على الوصول للمعلومة، بالتالي هم اليوم من يملكها، ومن يملك المعلومة هو من يملك الهيبة.

المعلومة يا فضيلة الشيخ وليست الخيزرانة هي العصا التي كان يهش بها المعلم على الطلبة، إمتلاك المعرفة والمعلومة هذا هو سر هيبة المعلم في الماضي، أما بعد دخول الإنترنت فقد سقطت هذه العصا من يد المعلم والشيخ والمثقف، وتلقفها الشباب على مختلف توجهاتهم حتى أصبحوا هم من يملك المعلومة بالتالي يحق لهم الوقوف موقف الند للند أمام الجميع.

يقول الشاعر [ قف للمعلم وفه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا ] والحقيقة أن شبابنا اليوم يقفون تبجيلاً لمحرك البحث "قوقل" وللذكاء الصناعي البرمجي، وللتعليم المجاني المتوفر على الإنترنت، ولليوتيوب بما فيه من ملايين المقاطع التعليمية والتدريبية والتثقيفية الوثائقية، هذا وأكثر من هذا هو ما يبجله الطالب اليوم، وهذا تحديداً ما تفتقده المدارس، وإفتقاد المدارس لكل هذه الأدوات تتحمل جريرته وزارة التعليم التي لاتزال تعتمد على نفس النظام التعليمي الذي كان معتمد قبل دخول الإنترنت، صحيح أن هنالك تغييرات جيدة قامت بها الوزارة كتغيير المناهج وإدخال التقنية في بعض المدارس، لكن هذه التغييرات رغم كونها جيدة إلا أنه لا علاقة من الأساس بالموضوع.

الموضوع أنه كان من المفترض بالوزارة أن تنظر للطالب لا على أنه مجرد متلقي للمعلومة إنما باحثاً عنها، أن تساعده للوصول للمعلومة وجمعها ومن ثم صناعتها، لكن ولأن الوزارة أصرت على التعامل معه على أنه متلقي فقط وأن هذا دوره الوحيد فطبيعي أن تتوتر العلاقة بين المعلم وطلابه وستستمر في التوتر أكثر وأكثر، وطبيعي أيضاً أن يتسائل المجتمع في عام 2018، هل نعيد الخيزرانة في يد المعلم أم لا؟، والمشكلة ليست في الخيزرانة إنما في العصا، والعصا هي المعلومة التي سقطت بفضل وزارة التعليم من يد المعلم وتلقفها الطالب، هذا ما حصل، لكن عفا الله عما سلف، ونحن أبناء اليوم.

واليوم يا وزارة التعليم إنتهت مرحلة الإنفجار المعلوماتي المعرفي، ودخلنا في مرحلة هيمنة التقنية والتكنولوجيا على التعليم، بمعنى أنه بعد سنة أو عشرة سنوات سيتغير نظام التعليم جذرياً، الدول من حولنا تحضر لمرحلة تعليمية تكون فيها التكنولوجيا هي المتحكم الفعلي في التعليم، ومن الأفكار المطروحة في هذا الجانب أن يتم إعتماد أجهزة المحاكاة أو أجهزة الواقع الإفتراضي، وقد يكون المعلم في ذلك التعليم -القريب جداً- معلم إفتراضي أو قد يكون معلم آلي متصل بالإنترنت، ومن الأفكار المقترحة أن يتم إعتماد تقنية التجسيم أو الهولوغرام، وهنالك دراسات تتحدث عن تعليم مستقبلي بلا مدارس ولا مدرسين ولا كتب، والحديث هنا ليس من نسخ الخيال العلمي، فكل هذه التقنية مستخدمة الآن ويجري تطويرها فعلياً لتتلائم مع التعليم غداً.


أمام كل هذا التطورات التكنولوجية التعليمية المقبلة، هل ستكرر الوزارة نفس أخطاء عام 1999م؟.
إن لم يتم التحرك الآن فهي سنوات معدودة وتصبح المدارس بكل العاملين فيها عبئاً على المجتمع وعلى الدولة، إن لم تضع الوزارة خطط فعالة ومتواكبة مع كل هذا التقدم التقني التكنولوجي الهائل فسيطل علينا في العام 2030 شيخ وقور آخر لينصح ببرمجة كم خيزرانة لكي يستطيع المعلم الإفتراضي أن يكسر عنتريات الطلبة.

"السحيمي" ظالم ولكن !!


السحيمي حين تكلم عن الآذان، تكلم بحدة وإنفعال شديد وبلا سبب منطقي، وهذه جريرته، بل هذا ظلمة الذي أوقعه على نفسه قبل المجتمع، فالقضية لا تحتمل كل هذا الإنفعال الذي دفعه لأن يصف الآذان بأوصاف غير لائقة، مثلاً بأنه أمراً مفزع ومرعب ومخيف وأنه وسيلة لنشر القلق في المجتمع، ومما زاد الطين بِلة حين أردفت المذيعة بأن المشكلة أيضاً في قرب المساجد من المناطق الآهلة بالسكان، وكأن الحديث هنا عن مفاعلات نووية على وشك الإنفجار وليس عن مساجد كل قضيتها تتلخص في سوء تنظيم، وهي ليست بالقضية الكارثية أو المصيرية.

بإختصار إن مشكلة السحيمي في أسلوب عرض الفكرة لا في الفكرة ذاتها، لم يطالب بهدم المساجد على رؤوس المصلين، لم يدعوا لمنع الآذان، إنما طالب بتنظيم المسألة وهو ذات الأمر الذي دعا إليه الكثير من العلماء والمصلحين بل وسعت إليه بعض المؤسسات المعنية.

**

كوننا دولة التوحيد فهذا لا يعني أننا لسنا في دولة مدنية، والمفهومان لا يتعارضان، لكن لأن بيننا من يستصعب التنظيم فنجده يشرعن للعشوائية والفوضى، والمساجد تحديداً في الأحياء العشوائية في حاجة لإعادة تنظيم فعلاً، فلا يصح بناء المساجد بطريقة فائضة عن حاجات اهل الحي، لأن في بعض الأحياء تتزاحم المساجد لدرجة أن المسجد والآخر لا يفصل بينهما سوى 100 متر وأحياناً أقل، وكل مسجد في هذه المسافة القصيرة يتنافس مع الآخر في رفع صوت الآذان، وكأن المسألة سباق يسعى فيه كل مؤذن لأن يصل صوته لأبعد مسافة ممكنة،  كي يشهد له أكبر عدد ممكن يوم القيامة بالخير والصلاح!.
المشكلة أيضاً أن بعض المؤذنين –أثابهم الله- يُخيَل للسامع لهم أنه يستمع لأناس لازالوا يعيشون زمن الغزوات والفتوحات، فطريقتهم في الآذان توحي بأن أمراً جلل وكرباً عظيماً على أبواب الحي، وكأننا مقبلون على معركة حامية الوطيس!، مثل هؤلاء المؤذنين في حاجة ماسة لدورات مكثفة في كيفية تلحين الآذان، فالمسألة في الأخير هدفها ترقيق القلوب لا إفزاعها.

**

عموماً، موضوع الآذان وتزاحم المساجد له عدة أوجه يصعب حصرها، إنما أردت الحديث هنا عن ردة فعل المجتمع.
لماذا المجتمع شديد الإنفعال؟!، سواءً في هذه القضية أو في غيرها.
لماذا نحن قومٌ نُستثار بسرعة أمام كل القضايا تقريباً؟، فلا يكاد يتحدث شخص إلا ويوزن حديثه بميزان الحلال والحرام، الخير والشر، وغالباً ما تميل كفة الحرام والشر في ميزاننا، بمعنى أننا غالباً ما نلقي بالمتحدث وبكل حديثه في الزاوية المظلمة، سواءً كان المتحدث شيخاً أو مثقفاً، غالباً هو في عرفنا يريد بنا شراً، إن قال لا فهو الرجعي، وإن قال نعم فهو التغريبي، إن قال لها تحرري يا إمرأة فهو الماجن، وإن قال لها تستري يا أختاه فهو الظلامي، أما إن قال نظموا الآذان فهو نديم الشيطان وأنيسه.

في رأيي أن أحد أهم الأسباب التي جعلت أخلاقنا ونفسياتنا على حدِ السيف دوماً، هو صراع التيارات الطويل والممل، عقوداً والتياران (الليبرالي والإسلامي) يحاولان أن يجيشا المجتمع ضد بعضهما البعض، عقوداً وكل تيار يحاول أن يوهم المجتمع بأنه اللاعب الرئيسي على الساحة، وربما هذه هي مشكلة السحيمي، أنه لا يزال متلبساً بهذا الصراع، الأمر الذي جعله يصف مسألة تداخل أصوات الآذان بأن وراءها أيادٍ خفية، وأنها حركة صحويه تخدم أجندات معادية! (أهدى من كذا يا تنويري) المفارقة هنا أن هذا الرأي هو بالضبط الذي تبناه التيار الإسلامي قبل ما يقارب الخمسين عام، فعند بداية دخول مكبرات الصوت خرج الشيوخ من المساجد يستنكرون بل ويحرمون حتى الصلاة خلف إمامٍ يستخدم مكبرات الصوت، وحجتهم كانت أن وراء مكبرات الصوت أيادٍ تغريبيه خفية، وأنها مؤامرة تخدم أجندات معادية.

المغزى هنا أن صراع التيارات لم يتغير أبداً، لا يزال يسير بنفس العقلية، عقلية حرب الضرائر، حيث كل زوجة تحاول إقناع بعلها أنها الأجمل، وأن الأخرى هي الأقبح، في الأخير فقد بعلهن الغلبان –المجتمع- أعصابه تماماً وأصبح يثور على أتفه الأسباب.

أخطأ السحيمي ولاشك لكن الإخوة المعترضين الأعزاء ليسوا بتلك البراءة والوداعة، هم أيضاً لم يثوروا لأنهم مقتنعين بأن أصوات جميع المؤذنين كأصوات العصافير، إنما ثاروا لأنهم ببساطة وجدوا الفرصة المناسبة لضرب التيار الليبرالي فأستغلوها، وغداً سيظهر شيخاً أو داعية ليقول رأيه الشخصي في قضية هامشية وسيثور التيار الليبرالي بدوره (لا جديد تحت الشمس) هو نفس الصراع بنفس اللغة والأدوات ونفس الغباء.
هذا الدوران في هذه الدائرة المغلقة هو ما جعل المجتمع الحليم حيراناً على طول الخط، صراخ التيارات وكل هذا الزن المتواصل في محاولة إثبات كل طرف أنه الأجمل، هذا ما جعل المجتمع في الأخير مصاباً بالأرق .. بمعنى أن مجتمعنا في الحقيقة ليس متيقظاً فطِن إنما مستيقظاً بالإكراه.

احترامي للعصامي


عصامي، حياته عبارة عن مشهد درامي، في شبابه كان يبيع أعواد الفجل والجرجير على بسطة ملاصقة لمسجد حي شعبي، وتحديداً هناك، ليس في المنتصف إنما أقرب لدورات المياه، هنا بالضبط قضى المسكين معظم حياته، فقير جيعان ويعاني.
فجأة قرر يبيع حزمة الفجل بريالين، يصرف ريال ويجمع الثاني، لين الله فتحها عليه وصار حرامي يرتشي ويختلس ويشهد بالزور ويزور في ورق رسمي، وبعد العصر يغسل الأموال إلي جناها من بيع الجرجير، ومن باب التنويع في مصادر الدخل بنى له شركات وهمية يرسي عليها عقود ومناقصات ومشاريع ضخمة تُمرر بالكامل لمقاولين الباطن، وبمبدأ "طبطب وليس، يطلع كويس" بات صاحبنا نزيل بالإكراه في الـ"ريتز كارلتون".

الساعة السابعة صباحاً صار العصامي مسئول، وفي المساء فتح خزنة الوزارة عشان يأمن مستقبل عياله، ثاني يوم عين ولد أخته الهلفوت في منصب مدير عام ما يداوم إلا يوم واحد في الاسبوع، وبالنسبة لزوج بنته فنظراً لما تقتضيه المصلحة العليا تم تكليف صهره المصون بمنصب مستشار أعلى، على أن يعامل معاملة موظف بالمرتبة الممتازة تمهيداً لتنصيبه وكيلاً للوزارة بعد صلاة المغرب مباشرة، أصل البنت أقرب لقلب الأب، وهو خايف عليها من الإحراج إذا في يوم صاحبتها سألتها، كيف تتزوجي موظف عادي، وأبوك أكبر عصامي في البلد؟، يبيها إذا واجهت هالموقف، ترفع راسها وتقول: لا، زوجي ما هو عادي، أصل الوالد رقاه بقرار إستثنائي.

تقاعد العصامي، وأخيراً التفت لأخرته، بدأ وهو في التسعين يستغفر وصار شيخ وصار يفتي ويخطب فينا بتقوى الله وتجنب سبل الحرام، ومن غيره الخبير المتقاعد في الحرام يشرح وبالتفصيل كيفية تجنب سبل الحرام، الرجل قضى جُل عمره سالكاً جميع دروب التهلكة كي يوعينا ويهدينا لطريق الحق، ونحن الذين كنا نظن أنه كان يخوض في الحرام كهواية، يحق له إذاً بعد أن تقاعد ووكل أبنائه بإدارة نهب الوطن أن يعظنا توجيهاً وإرشاداً ويبين لنا كيف أن الذنوب هي السبب الرئيسي لإرتفاع الأسعار، وطبعاً كان الحديث حينها عن ذنب فك تشفير قنوات فضيلته.

---

إن الغالب على قصص العصامية والنضالات الشريفة، التي أزعجنا بها بعض أصحاب الفخامة والنيافة على مدى عقود، الغالب على هذه القصص أنها تستعرض البداية والنهاية فقط، كأن يحدثنا أحدهم أنه بدأ بعمل بسيط في مكان وضيع وأنتهى اليوم كأحد كبارات المجتمع، وفي الحقيقة أنا لا تهمني نقطتي البداية والنهاية، ما يهم فعلياً هو المشوار الطويل ما بين البداية والنهاية، كيف كان السيد عصامي يبيع الفِجل والجرجير في بداياته هذه مسألة لا تهم، المهم هو كيف ترك تلك البسطة، هل فاز بمناقصة تزويد وزارة من الوزارات بما يلزم من فِجل وجرجير مقابل مبالغ خيالية؟، هل باع ضميره وخلع ذمته كما يخلع المصلي حذائه؟، ما الذي حدث بالضبط؟، هذا ما لا يخبرنا به كل الذين أزعجونا بالحديث عن عصاميتهم ونضالهم الخنفشاري الشريف في هذه الحياة.

إن المشوار الطويل ما بين بداية السيد عصامي ووضعه الآن، مشواراً زاخراً بالتفاصيل، والشيطان تربع مبتسماً على هذه التفاصيل، العلاقة في هذه التفاصيل علاقة سيداً وعبد، الشيطان هنا هو السيد والحرامي عبد، والعبد ما تنفع معه موعظة أو نصح باللين، بالسوط لين يعض الأرض راح يلتزم بالحق، الحرامي ما له رب أو دين ولا راح ينصاع إلا للقانون، هو عبد لشيطانه وشهواته وأطماعه، ومن كانت هذه خصاله طبيعي يسلك دروب الأنذال وينهب وطن، والسالفة ما تحتاج مزيداً من التفصيل، الوضع بإختصار كان طينة، كنا نضرب تحية للمختلس ونقول للمرتشي يا شيخ، وأرحب طال عمرك لك وأقلط يا حرامي.

حالنا بعد تنظيم عمل الهيئة



الإنسان لا يستطيع أن يرسم لوحة على الهواء، أو أن يصنع من الماء طوب بناء، لا يستطيع أن يقبض على الظل، أو أن ينحت في الفراغ، والحديث بهذه الكيفية يُعد ضرباً من الجنون، لكن الغريب في هذا الإنسان الغير قادر على فعل أياً مما سبق، أنه قادر وبكل جدارة على بناء نظام اجتماعي متكامل على الخيال وحده!.

أن يظن أولاً ويخمن ثم يبني على ظنونه تلك بضع فرضيات ويجادل حولها، وبالجدال تتحول الفرضيات شيئاً فشيئاً إلى قناعات راسخة وعقائد ثابتة لا تقبل التشكيك بأي حال، ثم وعلى هذه العقائد والقناعات يباشر المجتمع بترتيب وتنظيم أموره الحياتية المختلفة، ولا تصبح عملية التشكيك محرمة لقدسية القناعات إنما حفاظاً على النظام الاجتماعي الذي تم بناؤه على الظن والتخمين.

على سبيل التوضيح ..
لنتأمل في منظومة الفرضيات التي كنا بالأمس القريب نحيط بها جهاز (هيئة الأمر بالمعروف)
كيف كنا نردد بشكل شبه يومي مجموعة ظنون وفرضيات حتى ترسخت في الأذهان بصفتها معتقدات لا يجوز حتى التشكيك فيها.
مثلاً، أنه لولا جهاز هيئة الأمر بالمعروف لغرقنا في مستنقع تتآكل فيه القيم والأخلاقيات، ولولاها لأنتهك الناس حدود الله علانية، ولما أمِن الزوج على زوجته ولا الأخ على أخته، ولكانت مهمة الحفاظ على الأعراض شبه مستحيلة، هذا بغض النظر عن الفرضيات الخاصة بالسحرة والمشعوذين، إلخ.. من الفرضيات الهشة التي سيطرت على ثقافة المجتمع بآلية "كثرة الترديد" التي أثبتت جدواها بدلالة إيمان الكثيرين بكل ما كان يقال وكأنه حقٌ بلا جدال.

وفي اللحظة التي تحولت فيها كل هذه الفرضيات والتخيلات إلى حقائق ومعتقدات راسخة كان من الطبيعي أن تتأثر جميع مناحي الحياة داخل المجتمع، أن يتأثر نمط التربية، وطرائق التعليم، وكيفية تنظيم سوق العمل، كذلك الفن والترفيه، وحتى كيفية التواجد في الأماكن العامة، وتتأثر كذلك المجالات الثقافية والفكرية، حيث لا يتم عرض ونشر إلا ما يؤكد على صحة ما وضعناه من فرضيات وتخيلات!.

إن كل الفرضيات والأوهام التي أحطناها بجهاز (هيئة الأمر بالمعروف) لم تكن تتطلب علماً ولا تحتاج إلى تثبت ودراية، كل المطلوب فقط هو القليل من القدرة على التخيل ثم تصدير ما يجود به الخيال إلى ثقافة المجتمع، وحشر عقول الأفراد بكل الترهات الناتجة عبر آلية الترديد المستمر والاستمرار في الترديد بمناسبة وبدون مناسبة.

لقد آمن الكثيرون بكل ما كان يقال، وهذا الإيمان هو كل المطلوب حتى تتم إعادة تشكيل ملامح المجتمع بكل ما فيه من أنماط وأنظمة، حتى جاء القرار بتنظيم عمل ودور الهيئة، وألتزم العاملون والمحتسبون عملياً ببنود القرار، وابتعدوا عن خطوط التماس.
حينها حدث ما خالف كل التوقعات، لم تخلع المرأة حجابها، لم يقف الشباب في طوابير للتحرش، والسحرة لم يستخرجوا لهم تصاريح مزاولة مهنة، والمحلات لا تزال تغلق أبوابها فور سماع الأذان .. هذا كل ما حدث، أي أنه لم يحدث أمراً واحداً مما كنا نؤمن بأنه حتماً سيحدث !. وربما الشيء الوحيد الذي حدث هو الصدمة التي أصيب بها من كان يتأمل حدوث ما لا تحمد عقباه، صدمة سببها إكتشاف حقيقة أن أعز القناعات وأرسخها ليست أكثر من أوهام.

إن حالنا بعد تنظيم دور الهيئة لم ينحدر إلى الرجس والفجور، وأيضا لم يرتق للنقاء والملائكية، لا تزال في المجتمع مظاهر لبعض الانحلال الأخلاقي حاضرة ومشاهدة، كحالات التحرش، والعقوق والخيانات الزوجية، والمخدرات التي يتم تعاطيها والترويج لها، والسحرة والمشعوذين الذين يلجأ لهم ضعاف الإيمان، الكثير من التصرفات اللاأخلاقية لا تزال موجودة في مجتمعنا وفي كل المجتمعات، وكذلك موجودة في الماضي والحاضر وستبقى ببقاء تدافع الخير والشر في المجتمعات الإنسانية. صحيح أن مثل هذه المظاهر تعتبر إشكالية وينبغي التصدي لها باستمرار، لكن الإشكالية الأكبر أن يتم استثمار هذه السلوكيات الشائنة بغرض الإبقاء على المجتمع في حالة من القلق الدائم.

فما الذي حدث بعد تنظيم عمل الهيئة؟.
الذي حدث هو اكتشافنا أننا كنا نتوهم بأننا مجتمع غير طبيعي، نتوهم أن هنالك كارثة مجهولة المعالم تحيط بنا، نتوهم أننا في مجتمع إن لم نخف فيه من شيء ما فعلينا الشعور بالقلق!.
فتم تنظيم عمل الهيئة ولم يحدث ما كنا نخشاه، لم تتحول جدة إلى "لاس فيغاس"، و"بانكوك" لم تحل محل الرياض، وجيزان لم تصبح "باريس"، والمساجد لم تشتك من هجران المصلين، والشاب لا يزال عاقلا رزينا والفتاة لا تزال متمسكة بحيائها.
ومرة أخرى، هذا لا يعني أننا اليوم مجتمع ملائكي لكن يعني زوال حالة القلق التي سببها الإيمان بفرضيات هشة، لنكتشف اليوم أننا مجتمع برغم كل مشاكله، لا يزال مجتمعاً طبيعياً ويحق للفرد فيه أن يرتاح من اعتناق الوهم.


أخلاقيات التقشف

 

التقشف مُر، ثقيل على النفس، لا يستساغ، وهذه بالضبط هي صفات العلاج، وآلام العلاج وأعراضه بمثابة الضريبة التي لا بد من دفعها كي يتحقق الشفاء، ولا خيارات متعددة هنا إلا الصبر والصبر فقط، فهو أولى خطوات الشفاء، وكما قال الشاعر: إللي به العلة، على المرّ مغصوب.

لكن، هل التقشف هو العلاج الصحيح دائماً، ولكل مجتمع يعاني؟
وإن تم فرض هذا العلاج المُر، ألا توجد طرق للتخفيف من مرارته؟
وهل يصح أن يصرف الطبيب علاجاً لمريض دون أن يكشف عليه؟
بصيغة أخرى، هل تم الكشف على المجتمع كشفاً دقيقاً إلى أن عُرفت مواطن الخلل فيه، ثم تم صرف العلاج المناسب؟، أم إن التوصية بالتقشف جاءت لأنها نجحت مع مجتمع آخر؟، وأين ذلك المجتمع الذي نجح التقشف في حل مشكلاته؟

أسئلة كثيرة يحق للمريض أن يطرحها، فهو المريض وهو من به علة، وهو من عليه تحمل آلام العلاج ومرارة الدواء، فجدال المجتمع في حال التقشف كتململ المريض من مرارة الدواء، وليس الحل في لجم المريض وإسكاته، إنما في تقبل كل هذا التململ والنقد والنظر إليه على أنه أمرٌ طارئ سيزول بزوال فترة العلاج.

ومما يؤسف له، أن يتقدم خطاب الوعظ الديني في زمن التقشف والهبوط الاقتصادي، ويبادر لإسكات ولجم الأفواه حتى عن طرح الأسئلة، يلجمها ترهيبا وتخويفا وتذكيرا بحال الأمم من حولنا، ثم يسلط الضوء على بضع ذنوبٍ منتقاة بعناية، كالإسراف والتبذير، مع تجاهل متعمد للذنوب العظمى والتي تعتبر أس البلاء.

صحيحٌ أن الوقاية خيرٌ من العلاج، لكن طالما الداء قد حل والعلاج قد بدأ، فمن المخجل أن يتم ترهيب المريض صباح مساء ولومه على هذا المرض. إن هذا النوع من الوعظ بمثابة داءٌ آخر لا بد من إيجاد العلاج المناسب له.
علاجاً لدعاة يتقدمون -إحتسابا- لمدح الزهد في زمن التقشف، يشككون –لوجه الله- في انتماء كل منتقد، يربطون الصبر بالسكوت والرضوخ، ثم يربطون السكوت بالجنة. يتركون الأسباب الرئيسية والمباشرة كانخفاض أسعار النفط مقابل ازدياد ميزانيات الصرف، كتضخم الاستهلاك مع ندرة الإنتاج، يتركون كل هذا ويشيرون بأصابعهم إلى خروف تم ذبحه إكراماً لضيفين!، ولا نقول بأن ذبح الخروف لضيفين فعلٌ صحيح، بل هو إسراف وتبذير، لكن حشر معظم المسببات في فم الخروف دلالة على وجود حالة من الانفصال التام عن الواقع، وما أحوجنا اليوم إلى إعادة إحياء فقه الواقع، كي لا يتشوه الدين أكثر.

عموما، من أراد التفكر في أمر مجتمعاً ما، فعليه من باب التبسيط ولزيادة الإستيعاب، أن يتخيل المجتمع عبارة عن كائن ضخم تحكمه القوانين نفسها التي تحكم الإنسان، غير أنها قوانين تتناسب وحجم المجتمع، الإنسان مثلاً يمرض، وكذلك المجتمع. الإنسان تتغير نفسيته ويكتئب بسبب العلاج، وكذلك المجتمع يعترض وينتقد بسبب الإصلاح، وهكذا.

إلى هنا والحديث عن النصف الفارغ من الكوب، أما الحديث عن النصف الممتلئ منه، فيتضح حين نتأمل حال المريض وكيف أنه -ورغم الأوجاع والآلام- يزيد وعياً بطبيعة الداء ووعياً بأساليب العلاج، كذلك المجتمع، رغم النقد والتململ، إلا أنه يزيد وعياً بطبيعة الداء الذي أوصله إلى هذه المرحلة، ويزيد وعياً بأنسب الطرق للقضاء على مواطن الخلل.

وجولة في "تويتر" خلال الأيام الماضية تدل بوضوح أن المجتمع بدأ يتعامل مع كل داء أوصله إلى هذا التقشف، الهاشتاقات تنطق وعياً وإلماماً بمواطن الخلل، بـ140 حرفا تجري محاربة شركات هيمنت على السوق لسنين، وحققت فيه أرباحا خيالية بالفهلوة والضحك على الدقون، حتى تخيل الجميع أنها شركات ناجحة فعلا، لنكتشف أنها هشة لدرجة تجعلها تترنح أمام بضعة حروف!، لا لأن الحروف أقوى، ولكن لأن الباطل وإن غدا كالجبال سيسقط أمام وعي ساعة.

إن المجتمع وأمام مرارة التقشف أخذ يبحث عن كل الحلول الممكنة للتخفيف من مرارة الدواء، وهذا هو النصف الممتلئ من الكوب، أن للتقشف أخلاقيات تختلف جذريا عن أخلاقيات الرخاء، في التقشف ترتفع وتيرة الحرص واليقظة وعدم التمرير، بينما في الرخاء فالموضوع تساهيل، في الرخاء تقدم الحكومة كامل الدعم، وإن لم يقدم المدعوم شيئا له قيمة، وفي التقشف لا دعم حكومي إلا بطلوع الروح، في الرخاء يتم غض الطرف من المجتمع عن الكثير من الرزايا، بينما في التقشف يتقعد الجميع للجميع وفي كل مرصد.


هذه هي أخلاقيات التقشف، وعلى كل فهلوي أن يتأقلم مع الوضع الجديد "مع الوعي الجديد"، كأن يعرض بضاعة تستحق العرض ثم يضع لها سعرها الطبيعي، كأن يلتزم بالمعايير وبالحدود المعقولة من النزاهة، وأن يكون الإبداع وسيلته لجذب الزبون لا الفهلوة، فالسوق في زمن التقشف يختلف جذرياً عن السوق في زمن الرخاء، في زمن التقشف لا السوق يرحم ولا المتسوقين الذين تعلموا في الأيام القليلة الماضية كيف يجلدون بـ140 حرفا أعتى المتلاعبين.


ستتولى أمرها



إغلاق الباب في وجه كل جدال بعبارة "لا يجوز" هو فعل لا يجوز، فأمور الناس ستظل بين أخذ ورد، سيخطب الخطباء ليرد الكتاب، وسيفتي الفقهاء ليحاجهم المفكرون، فإذا اتفق الجميع على رأي واحد من بعد عناء، سريعاً سيكبر الأبناء ليعيدوا الشريط من بدايته، وحججهم التي لن تتغير أبداً أن اليوم ليس هو الأمس، وما كان يصلح للآباء سيعافه الأبناء، فإن أجمع السلف فذاك اجتهاد يتم البناء عليه لا الاكتفاء به، وآراء السابقين هي محل استئناس لا تشريع، وما قيل له التقدير لكنه لا ينزل منزلة الحق، إلخ... من الحجج التي لا تعني بالضرورة أنها مروق من الدين أو كره للأولين، إنما تعني أن لكل جيل منظومة أفكار ورؤى لها الأفضلية دوماً كونها تتناسب مع حاضرهم وتلائم الواقع الذي يعيشونه.

حسناً، بالأمس لم يكن أجدادنا يعرفون الراحة والإجازات، كان الواحد منهم يخرج من أذان الفجر إلى غروب الشمس سعيا في طلب الرزق، يخرج في المرض والصحة، في الصيف والشتاء، لا يكاد يهنأ براحة أو يتمتع بإجازة لعلمه أن اليوم الذي لا يخرج فيه سيجوع الأبناء -هذا ما كان سائدا- والسائد لا يعني عدم وجود استثناءات، أما اليوم فإن أخذ الموظف إجازة لشهرين فلن يتأثر دخله ولن يجوع الأبناء، لقد تغيرت معادلة طلب الرزق، والطريق أمام السالكين بات معبداً، والسير ما عاد يتطلب مجهودا جسديا شاقا، الأمر الذي أغرى المرأة بالخروج من بيتها إلى سوق العمل لتشارك الرجل في حمل هذا الهم الثقيل، وبخروجها فوراً تغيرت طبيعة العلاقة بينهما.

ثوب (سي السيد) تم استبداله بالسيادة المشتركة، والمشورة حلت مكان التفرد بالرأي، و(عنتر) لا يكاد يجد ميداناً لا تقاتل فيه (عبلة)، و(قيس) كلما همّ بتقبيل جداراً وجده جدار مدرسة أو مصنع تعمل فيه (ليلى)، والوادي البغيض الذي تبادل فيه (جميل) و (بثينة) الشتائم، أصبح مستشفى يعملان فيه سوية.

كل هذا التغيير يراه البعض انحرافا في طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، غير أنه في واقع الأمر تصحيحاً للمسار بما يُلائم الحاضر بكل المتغيرات فيه، فشرعاً وقانوناً ليس بينهما أرقى وأدنى، وطلب الرزق ما عاد يتطلب قوة جسدية، إنما قدرات عقلية لجنسين كلاهما متساويان فكرياً، وليس الحديث هنا عن تطابق إنما عن شراكة في بناء المجتمع، وفي الشراكة لا يتم اعتبار الاختلافات الجسدية بين الشريكين سبباً لتقليل الحصص.

لقد فتحت الدولة أبواب سوق العمل أمام المرأة، وحين دخلت للسوق أصبحت ترساً في عجلة الاقتصاد، تساهم في التنمية كما يساهم الرجل، وطالما أصبحت عنصرا اقتصاديا فعالا، ستقول ما تريد وتطالب بما تريد، طالبت بالتعليم فنالت أعلى الشهادات، طالبت بالعمل فوصلت لأرقى المناصب، وغداً ستطالب بكرسي القضاة وستحاكمه على ما يقترف من جنايات، وستطالب بمنصب وزاري ثم ستغدوا صاحبة معالي، وستطالب بالمزيد ولن يجد الرجل إلا أن يصرخ ويزبد ويستدعي كل ما في الموروث من حجج ليثنيها عن هذا الإقدام، وبعد أن ينتهي من صراخه ستطلب منه إنهاء بضع المعاملات لها بصفتها أعلى منه وظيفياً ثم تقود سيارتها لتعود لبيتها، وكل هذا ليس رجماً بالغيب –معاذ الله- إنما هي قراءة لحقوق الشريك.

إنها اليوم شريك في المجتمع أكثر من أي وقت مضى، والشريك يحق له أن يفرض ذاته، وعلى من يرى أن في شراكتها خلل أن يعود لنقطة البداية ويطالب بمنعها من العمل، وأن تقر في بيتها لترعى أبناءها شريطة أن ينبذ هو حياة الرغد ويسلك ذات الطريق الوعر الذي سلكه الأجداد، أن يخرج من أذان الفجر إلى غروب الشمس طلباً للرزق، فإن أحس بالإرهاق رأى في عيون أبنائه رجاءً يدفعه لعدم استثناء هذا اليوم كي لا يصيبهم الجوع. ما يعني أن الرجل لن يعود (سي السيد) إلا بعودة حياة التعب والحاجة التي تنهك أشد الرجال وتجبر النساء على المكوث في البيت، لن يرتدي ذلك الثوب القديم إلا حين يتطلب جلب الرزق قوة جسدية تتحمل عناء الطريق. صحيح أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا تتحدد فقط بالمال أو من زاوية إقتصادية، لكن الصحيح أيضاً أن من يملك المال سيكون سيد نفسه.

وبمناسبة الحديث عن السيادة، تثار قضية ولاية الرجل على المرأة هذه الأيام، وبعيداً عن دعاوى التغريب والمنظمات السرية الخبيثة والشياطين التي توسوس بأفكاراً هدامة، إن الجديد هذه المرة ليس في الموضوع، إنما في أن المرأة اليوم تتحدث بصفتها شريكاً فعالاً في بناء المجتمع، بصفتها عاملاً مؤثرا في سوق العمل، وإنها تنظر للرجل من هذه الزاوية، ثم تتساءل: كيف يحق لشريك تتساوى حصصه مع حصصي أن يرأسني لأسباب وصفات لم يكتسبها بمجهوده الشخصي إنما جاءته مع الجينات الوراثية؟، وكون الرجل جاء للدنيا ذكراً فهذا لا يعني أبداً أنه كائناً أرقى وأسمى وأرجح عقلاً، فلمَ كساه المجتمع بهذه المزايا؟ .. لماذا يتم بناء فكرة الولاية على أن كل الرجال أولياءً لله صالحون لا يخطئون أبداً، وإن كان الرجال هكذا فمن إذاً هذا الذي يُعنِف ويضطهد ويمنع ابنته من الزواج ويستغل راتب زوجته؟! ولماذا من الأساس يشترط النظام أن يتم تعنيف المرأة أو اضطهادها أو أن تكون تحت ولاية رجل مليء بالعقد النفسية كي تسقط ولايته عنها؟!، ألا يُعد كونها إنسانة كاملة الأهلية سبباً كافياً في نظر النظام؟!


إن حججها اليوم تنسجم تماماً مع دورها الاقتصادي، كقولها: أنا أعمل كما تعمل، أفكر كما تفكر، أنجز كما تنجز، أساهم في تدبير شؤون الأسرة وتنمية المجتمع كما تساهم... إلخ من الحجج. الإشكالية الوحيدة هنا أن ردود فعل الرجل تقليدية، يصرخ ويبادر لإغلاق الباب بـ"لا يجوز"، وفي آخر المطاف يجنح للصلح ويتركها لتتولى أمرها، وستتولى أمرها.

تشوهات قصص الصحوة




هذا شاب مات وهو يستمع لأغنية (نار يا حبيبي نار) فغسلوه وكفنوه وحين أرادوا دفنه كانت المفاجأة التي صدمت الجميع أن (الشجاع الأقرع) لم يكن ينتظر في القبر، كما أكد الحكواتي وأقسم مراراً وتكراراً !

هذه فتاة كانت تمسك بالريموت وتقلب بين القنوات ثم ماتت على هذه الحال إلا أن ما أربك الحضور وأصابهم بالحيرة أن الريموت لم يلتصق بيدها، كما هو متوقع !

هذا مراهق فاسق تعرف على فتاة وواعدها، وفي مكان اللقاء كانت صدمته بالغة حين لم يجد أخته بصحبة شاب آخر في نفس المكان !

هذه فتاة كانت معجبة بأحد الفنانين وتعلق صوره في كل مكان على جدران غرفتها، وعندما حان أجلها أخذ الصالحون يلقنونها الشهادة إلا أنهم صدموا حين نطقت الشهادة فعلاً !

يحكى أن إمرأة مؤمنة صالحة ماتت على سجادتها في نهار رمضان، وحين شاهدها أبناؤها تفاجؤوا جداً بأنها لا تبتسم !

يروى أن شاباً ذهب للجهاد ثم استشهد فدفنه أصدقاؤه وبعد سنتين فتحوا القبر فصدموا حين وجدوا الجثة وقد تحللت تماماً، خلافاً لما جاء في القصص !

يقال إن شابا نشأ في طاعة الله، باراً بوالديه، محافظاً على صلاته، وحين وافته المنية تساءل المشيعون في دهشة: ما لنا لا نشم فيه رائحة المسك ؟!

--

إن قصص الصحوة على أيامنا كانت بمثابة عالم افتراضي لا مرئي، يتم ترحيل العقول إليه تنفيراً من الدنيا وملذاتها، إنها خليط من المنامات والحكايات المفبركة والأحاديث الضعيفة، بالإضافة إلى بعض القصائد والحكم والأمثال التي تضاف لخدمة الحبكة الدرامية للقصة، وفي الخلفية تأوهات وأصوات غير منطقية لزيادة الأكشن.

إنها لم تكن أكثر من قصص خرافية عن شجاع أقرع يسكن القبور، عن جثث تفحمت لأن أصحابها كانوا يحلقون لحاهم أو يسبلون ثيابهم، عن فتيات تم دفنهن بـ بناطيل الجينز وأخريات تيبست أجسادهن واسودت جلودهن لأنهن رقصن في الأعراس.

إنها قصص كانت موجهة للغرائز لا العقول، وما يتم توجيهه للغريزة يتحول مع الوقت لحقيقة متكاملة العناصر، وإن كان جميع العناصر مزيفة .. وهذا ما حدث في تلك الفترة.

إن الهدف من قصص الصحوة كان زرع الخوف في صدور الجميع، ونشر حالة من القلق في المجتمع، ونزع الإحساس بالأمان بين الأفراد، وذلك كي تسهل عملية الإحتلال الثقافي والفكري والعقدي، وفعلا نجحت الإستراتيجية في تشويه عقائد وثقافة الكثيرين، وجعلتهم يبنون إيمانهم عن خوف ورهبة، وكأنهم أرادوا بالإيمان دفع عقوبة من الله واقعة لا محالة، حتى وإن كانت الذنوب من الصغائر فلا مأمن هنا ولا راحة بال بأي حال، ولا يمكن القول عن قصص الصحوة في تلك الفترة إلا أنها نجحت في تشويه ثقافة الكثيرين وأفكارهم تجاه الحياة والمجتمع والجنس الآخر وحتى تجاه أنفسهم.

لنتأمل فقط في القصص الصحوية المعنونة بـ (كما تدين تدان) و (دقة بدقة) .. كم من أخ ضيّق على أخته وكم من زوج أذاق زوجته وابنته العذاب، والسبب أنه حين ضعف أمام شهواته فورا تملكته قناعة يقينية بأن الله سينتقم منه ولا شك بأن تساق أخته أو زوجته أو ابنته للمعصية !، في هذه الحالة لا مفر أمام هذا العاصي ولا ضامن له يضمن عدم رد الله له الصاع، إلا بأن يحبس نساء بيته ويضيق عليهن الخناق؟! .. وحين يتصرف العاصي الذي ضعف أمام شهواته على هذا النحو، قد يحدث أن تحاول إحداهن الهرب من هذا الجو الخانق إلى حضن رجلاً آخر، فإن حدث سيتم حينها التعامل مع ما فعلته هذه المرأة وكأنه نصر من الله مبين يؤكد صحة ما قد قصه الحكواتي الصحوي !

إن قصص الصحوة صورت للفتاة أن الشاب ذئباً مسعوراً سيلاحقها ويباغتها في أي لحظة كي ينهش لحمها ويهتك عرضها، ثم صورت للشاب أن الفتاة كائن إبليسي مهمته الوحيدة أن يقوده إلى جهنم وبئس القرار، ثم صورت للمجتمع أن لا خلاص من كل هذا الرعب إلا باللجوء إلى معايير الالتزام التي تم رسمها بريشة الصحوة، ومن يلتزم بهذه المعايير المحددة سينقلب إلى حملاً وديعاً إن كان فتى، وتتحول الفتاة إلى ملاكاً طاهر، من يلتزم بهذه المعايير سيصبح حتماً من الصالحين، ستخرج من جسده رائحة المسك بعد موته، وستعلوا على وجهه إبتسامة الطمأنينة والرضا في حياته وبعد الممات، وستنزل عليه الملائكة لتترضى وتستغفر له، وستبتعد الشياطين عن دروبه خوفاً ومهابة، كل هذا سيحدث لمن يلتزم بمعايير الصحوة، لمن يطيل لحيته ويقصر ثوبة ويحضر مراكز الدعوة، ولمن تلبس العبائة على الرأس وهكذا.

في الختام ..
نحن لدينا يقين بأن الله سيعاقب الشاب الفاجر بالموت احتراقا وعلى مرأى ومسمع من الجميع لأنه عصى الله بسماعه للأغاني و(بشار الأسد) لا يزال يبتسم وربما يأكل الكافيار، ولم يمت محترقاً وربما يموت ميتةً طبيعية !
نحن لدينا يقين بأن الله سيعاقب من ترقص في الزواجات بميتة بشعة .. وبأن من تلبس البنطال الضيق ستموت وسيلتصق بنطالها بجسدها لتدفن به .. رغم أن هذا لم يحدث للفنانات والراقصات المجاهرات بالمعصية !


لقد كان لدينا خلل على أيام الصحوة ولا شك، ولا تزال أجزاء كبيرة من ذلك الخلل تهيمن على ثقافتنا الدينية إلى اليوم، ولا يمكن إزالة كل هذه التشوهات ببساطة، فجزء ليس بالبسيط من مفاهيمنا الدينية قد تشكل بناء على الإيمان اليقيني بحدوث أشياء لم تحدث أبدا، ولن تحدث أبدا، وإن حدثت فعلياً في بعض الأحيان فحدوثها لا يدل على أي شيء.

الشعوذة اللغوية العصبية

 

يمكن اعتبار الأسواق التي لا توجد بها أي سلع، أنها أنشط الأسواق في المجتمعات العربية، فالطلب في المجتمع العربي – حرفياً - يكون كبيراً جداً على "لا شيء" وبما أن الطلب مرتفع على "لا شيء" فمن السهل أن يقوم الباعة بتوفيره للزبائن بدرجة تفيض عن الحاجة، وعلى عكس ما هو متعارف عليه في علم الاقتصاد فإن ارتفاع العرض في هذا النوع من الأسواق يصاحبه ارتفاع في الأسعار للدرجة التي تجعل البائع يصل للثراء السريع ويأخذ بالمستهلك إلى الديون والفقر، مع هذا تستمر عملية ضخ الأموال لأن المستهلك ينطلق أساساً رغبةً منه في تحقيق شيء ملموس عن طريق تملك اللاشيء.

فإن لم تكن في السوق سلعة محددة فماذا يشتري الزبون وما الذي يعرضه البائع؟.
الجواب في كلمة واحدة .. ( الوهم ).
الوهم هو بديل السلعة، هو اللاشيء الذي ما إن يضعه البائع على رفوف دكانه إلا ويصطف الزبائن في طوابير لشراء شيء لا وجود له!، وهذا ليس بلغز فرغم كون الوهم لا شيء، إلا أن هذا لا يعني أنه بلا قيمة، بل إن له القيمة الكبرى إلا أنها قيمة متوهمة بالكامل.

السؤال هنا: ما الذي يدفع الزبائن إلى دفع الأموال لشراء شيء لا وجود له؟.
الجواب أيضاً في كلمة واحدة .. ( الوعي ).
الوعي يضمن عدم تحويل الوهم إلى سلعة بينما غيابه يضفي للوهم أكبر قيمة، وأي مجتمع يركض أفراده ويتدافعون للشراء من باعة ليس عندهم أي شيء يبيعونه ومع هذا يصلون للثراء السريع هو مجتمع يتعامل مع الوعي على أنه ترف لا قيمة له.

بعد هذه المقدمة، لنقم بجولة سريعة نتعرف من خلالها على سوق الأوهام ..
في البدء هو سوق منظم وليس عشوائي، يتكون من أقسام حيث كل قسم يختص بنوع محدد من الأوهام ..
في مدخل السوق يقف مشعوذ بدائي وهو شبه عارٍ ليدور كالمعتوه حول النار، تجاهله الآن –عزيزي القارئ- وتقدم حتى تصل لقسم قراءة الفنجان والكف وضرب المندل، الباعة هنا ثيابهم رثة وهيئاتهم كالمشردين، قف قليلاً وتأمل الأكياس التي يحملها زبائن هذا القسم ستجدها دائماً فارغة رغم أن البيع والشراء لا يتوقف أبداً!
تقدم أكثر حتى تصل للقسم المختص بطرد الجن والعفاريت ومعالجة العين، الباعة هنا يطلق عليهم "رقاة شرعيون" مذاهبهم وأديانهم شتى وأساليبهم مختلفة إلا أنهم يتفقون على أن كل مشاكل زبائنهم النفسية والوظيفية والأسرية سببها "جني" سكن أجسادهم على غفلة، والزبون الذي يقتنع سيبدأ معهم رحلة علاج طويلة يخسر خلالها الكثير وفور خروجه سيعترضه نفس الجني مبتسماً ولسان حاله يقول: ضحكوا عليك يا مسكين.

هنالك أقسام أخرى كالتداوي بالأعشاب وتجارة الفوركس "مرحباً أنا مروان تلودي" وأقسام ستنشأ خلال الخطة الخمسية المقبلة، وهنالك بسطات تظهر سريعاً وتختفي كبسطات ماكينة الخياطة سنجر .. إلخ، إلخ
تجاهل كل هذا واذهب مباشرة إلى قسم الشعوذة الجديد، قسم (البرمجة اللغوية العصبية) لاحظ كيف أن الباعة هنا لا يشبهون الباعة في الأقسام الأخرى، فإنهم يرتدون بدلاً فخمة بكرفتات وجزم تلمع وشراريب ماركات، هؤلاء هم النسخة المودرن من المشعوذ البدائي عند مدخل السوق.
عليك قبل الدخول لقسم البرمجة اللغوية أن تحقن نفسك بجرعة وعي مضاعفة، فالقسم جديد والأساليب مبتكرة، والضحك على الذقون تقام له دورات، عليك أن تكون أكثر وعياً فهؤلاء يحفظون جيداً مجموعة كلمات وعبارات علمية نفسية رنانة على شاكلة: معنا ستطور قدراتك العقلية للحد الأقصى، وستنمي مهاراتك الوظيفية، كما وستضبط احتياجاتك السيكولوجية. معنا ستربط قيمك ومعتقداتك في نسيج واحد مترابط يمكنك من السيطرة على مشاعرك من الانفلات، كل هذا وأكثر خلال جلستين فقط تكلفتهما 4000 ريال، إن وافقت ستحصل – مجاناً- على دورة في القراءة السريعة تجعلك قادراً على قراءة ألف صفحة في دقيقة ونصف، فإن لم تكن جيداً في الحفظ بادر بالتسجيل في دورة تنمية القدرة على الحفظ والاستدعاء من اللاوعي وقت الضرورة تكلفتها 3000 ريال. إلخ، من هراء التنمية البشرية الفاخر والذي يدغدغ رغبة الزبون بأن يصبح "سوبرمان".

إلى هنا تنتهي الجولة ولم ينته الحديث، فالعادة جرت أن نتلقف كالجياع كل ما يسقط علينا من الغرب والشرق، كل الذي تغير اليوم هو عنوان الوهم وطريقة بيعه، كنا نشتري الوهم من الفنجان ثم اشتريناه بالنفث والآيات واليوم نشتريه عن طريق دورات تقام في مراكز مرخص لها وتدعمها "المؤسسة العامة للتدريب المهني" وتباركها الغرف التجارية.

في المحصلة فإن المريض النفسي لم يترك قارئ الفنجان أو الراقي الشرعي ليذهب إلى طبيب نفسي مختص، ومن يمر بمشاكل أسرية لم يذهب لاستشاري أسري معتمد، يمكن اختصار المسألة في القول بأن المشعوذ البدائي كان يحل مشاكل أهل القرية بالدوران حول النار فقام بتمرير علاجه السحري إلى قارئ الفنجان ومنه إلى الراقي الشرعي ليستقر أخيراً في دكان المبرمج اللغوي.

هذا هو العرض العصري الذي يقدمه الباعة كاستجابة للطلب المتزايد على الأوهام التي تكونت فينا جراء مادية الحياة وتمدن المجتمع، أوهام الثراء السريع والنجاح بالتأمل وامتلاك القدرات الفائقة بالاسترخاء، ويبقى السؤال: أين السلعة في البرمجة اللغوية العصبية؟ فكل ما في أكياس الزبائن "شوية كلام".